الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٢٢ - باب العبد يحدث إخوانه ببعض ما يقوى عليه من العمل ليحضهم على ذلك
و من الناس من يقتدي به جيرانه و لو تجاوزهم إلى أهل سوقه ما اقتدوا به، أو رموه بالرياء لو حدثهم ببعض عمله، أو أظهر لهم الذكر و الزي من الصوف و غيره.
و من الناس من يقتدي به أهل حيّه و سوقه، و لو أظهر للعوام ما لا يفعله العوام ظاهرا ثم سمّى لها لما اقتدت به و لا ردعها، و لأهاج بعض من لا يعرفه منها على سوء الظنّ و الاستهزاء به، حتى يعرف بعضها بعضا بالثناء عليه و ذكر علمه و عمله.
و من الناس من إذا أظهر من ذلك شيئا فحين سمّى للعامّة بل لا يكاد يخفي عليها حين يمرّ بها أن يقال: هو فلان، كالخليفة إذا مرّ، أو كالمحدّث المشهور، أو كالمفتي المعروف عند العوام، فذلك إمام للعامّة، من يسمع باسمه- و إن لم يكن رآه من قبل- خضع و اقتدى بما يكون منه من خير، حتى لقد رأينا من العوام من يقتدي بزلة العالم المشهور بالعلم، و الفاضل المشهور بالنسك، فإذا كانت الزلة منه يسارعون إلى القدوة بها و لا يسارعون إلى القدوة بكثير من الخير من غيره، فكيف بما يظهر من الخير؟
فعلى العاقل المريد أن يعرف في أي موضع من الناس وضعه اللّه عزّ و جلّ فيه، فيمكنه الحسبة فيما يظهر من القدوة إذا قوى، و لا يجاوز قدره، و إن حسنت نيّته و قوى عزمه و هان حمد المخلوقين عليه.
و كذلك روى عن الحسن أنه قال: الرجل إمام أهله، و الرجل إمام حيّه، و الرجل إمام العامّة.
فالذي أمر به في السنّة: إخفاء العمل لطلب السلامة و لفضل السرّ، لأن السرّ أحرز للعاملين، و أبعد بهم من كثرة الخطرات و قبولها. و قد روى عن الحسن رحمه اللّه أنه قال: لقد علم المسلمون أن عمل السرّ أحرز للعاملين.