الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٧٤ - باب ما يورث الرياء من الأخلاق المذمومة و شرحها
باب ما يورث الرياء من الأخلاق المذمومة و شرحها
قلت: فأخبرني بالذي يورث الرياء من الأخلاق المذمومة عند اللّه عزّ و جلّ.
قال: ما كان منها عن الرياء خاصة لا عن غيره، فإنها تورث خلالا، منها: المباهاة بالعلم و العمل، و التفاخر بالدين و الدنيا، و قد يعتري التفاخر أيضا من الكبر، و لكن التفاخر من جهة الرياء جزعا أن يعلى و محبّة أن يعلو، و التكاثر بالمال و غيره من أمر الدنيا، و بالعلم و العمل، و التحاسد على العلم و العمل لغير منافسة، و لكن جزعا أن ينال من يحاسده من المنزلة و الحمد ما لا ينال هو، و ردّ الحق على من أمره أو ناظره، لئلا يقال: هو أعلم منه، و قد يعتري ذلك أيضا من الكبر، و لكن كراهة أن يقال: غلبه فلان، أو أخطأ، و حبّ الرئاسة، و الغلبة في المناظرة، و ترك التعلم لما يحتاج إليه من العلم.
قلت: ما الرئاسة؟
قال: حبّ التعظيم و التسخير للعباد و الحقرة لهم، و ألا يردّ شىء من قوله، و لا يساوى في العلم بغيره، و لا يقدّم عليه غيره، و إن وعظ عنف، و إن وعظ عنّف فلم يقبل و عنف و إن علم أنه قد أخطأ، فلما علمه الناس أو وعظوه لم يظهر الرجوع لئلا تنكسر رئاسته[١].
[١] - و هذا هو الذي قال اللّه عز و جل فيه: وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ[ البقرة: ٢٠٦]، أما العالم المخلص فيقبل الحق و الحكمة من أي إنسان خرجت، و بأي لسان قيلت، و لا يرى نفسه أكبر من الخطأ، و لا ينظر إلى غيره على أنه أقل من أن يصوّب لمثله خطأ، و للّه در القائل:« رحم اللّه امرءا أهدى إليّ عيوبي».