الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٧١ - باب وصف أعظم الرياء و أدناه
و كذلك إن كان مقيما على فجور؛ يستره بالنوافل و التورّع و إظهار الطاعات و البرّ؛ لئلا تقع عليه التهم، فلا يصدّق عليه إن قيل فيه أو اتهم بذلك.
قلت: من الذي يليه؟
قال: المرائي بالتطوع لينال بذلك الدنيا، كالمرأة يريدها حلالا، أو يرغب في التزويج، فيظهر الحزن و البكاء و القصص[١] و العمل الصالح و تذكير الناس، ليرغب فيه فيزوج، كما يفعله كثير من القصاص، و كما يروى عن الأعرابي الذي هاجر لتزوّجه أمّ قيس نفسها[٢].
قلت: من الذي يليه؟
قال: المرائي بالنوافل تكلّفا إذا اطّلع على بعض ما ينقصه في الدين عندهم، أو خاف أن يظنّ به أنه لا يريد اللّه عزّ و جلّ بذلك يخاف أن تزول منزلته، و تغيّر حاله في القلوب التي كانت فيها، كالرجل يمشي مستعجلا أو يطلع عليه متلفتا، فإن لقي لاهيا أو اطلع عليه سكن في مشيته و خشع و غضّ طرفه و خفض صوته و أرخى جفونه؛ لئلا ينظر إليه بعين السهو و اللهو، و ذلك رياء من يظنّ أنه من الخاصة من القراء؛ لئلا ينظر إليه بالنقص، و لذلك إن اطلع على نقص فيه من ضحك أو مزاح استغفر و تنفس و تحزّن؛ كراهية أن يقال:
لاهي؛ و ألا ينظر إليه بعين الحزن و الخوف، فيستغفر مما ليس بذنب، و يظهر الحزن و التنفس و التندم مما يريد به اللّه عزّ و جلّ، و لقد علم أن اللّه عزّ و جلّ لا يعذّب على ذلك، و ما ذلك بذنب يستغفر منه، و لكن لكيلا تغير منزلته من قلوبهم، و لا يظن به إلا الحزن و الانكسار، فيجزع مما كان منه؛ لسقوط المنزلة
[١] - المقصود بالقصص: الوعظ، و يطلق على الوعاظ: القصّاص و المذكرون.
[٢] - سبق تخريجه ص ٦٧.