الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٥٨ - الفرق بين الدعوى و الحقيقة
ذلك تنبيه من اللّه عزّ و جلّ لك لما اعتقدت من الرياء فندمت و استغفرت فإن قويت على الإخلاص للّه عزّ و جلّ، عقوبة للنفس بلزوم ذلك العمل للّه عزّ و جلّ، بنية قوية عن غير أغلوطة، تبيّن لك ذلك بإجماع القلب أن لو لم يعلموا بذلك لفعلته حياء من اللّه عزّ و جلّ، إذ سخت نفسك للمخلوقين بالطاعة لحمدهم، و أعرضت عن إرادة اللّه عزّ و جلّ.
فإن وجدت من نفسك هذه القوة بعد الندم و الاستغفار و النية منك ألا تعود إلى مثل ذلك، فامض في العمل. فإن لم تجد ذلك من قلبك فدع العمل إن كان العقد أولا للمخلوقين، فدع العمل مع الحياء من اللّه عزّ و جلّ، أن تسخو نفسك بالعمل لحمد المخلوقين، و لا تسخو للعمل لحمد الخالق عزّ و جلّ.
و إن كان العقد الأول للّه عزّ و جلّ، ثم ركنت بعد ذلك، فانف ذلك و اندم عليه، و ارجع إلى عقدك الأول، فاعمل عليه مع الحياء من اللّه عزّ و جلّ، إذ رآك مستبدلا بحمده طلب حمد غيره، حتى كأنّ الخلق يطلعون على ضميرك معه، بل لو اطلعوا لخشيت مقتهم؛ لما أردت من حمدهم، فاستح من اللّه عزّ و جلّ، المطلع عليك و على إعراض قلبك عنه إلى من لا يملك منفعة و لا دفع مضرة، و لو اطلعوا على ضميرك لكانوا أهيب عندك منه جل و علا، فليعظم حياؤك منه، و إن قدرت أن تزيد في العمل، حياء من ربك عز و جل، و عقوبة لنفسك، فافعل.
و إن عرض لك عارض، و أنت في العمل، و قد أردت اللّه عز و جل به لا يدعى عليك أنك مراء، و لكن يحذرك الرياء، و يقول: اتركه، لأن تسلم، فذلك من العدو و من هوى النفس، فإن خطر خاطر يحذرك الرياء، و يأمرك بأن تتم العمل بالحذر، ليكون سليما خالصا، فذلك واعظ من ربّك عز و جل.