الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٤٦ - باب معرفة قوة الإخلاص على منازعة النفس عند العارض و النفي له
للشيطان عليهم سبيل، إذ قطعوا حب الدنيا من قلوبهم و أبدلوا قلوبهم إلزام حب اللّه عز و جل لها، و الاشتغال بالسيد و بمناجاته، فقد خنس الشيطان عنهم و ذل و اعتزل، كما اعتزل في خاطر الخمر و الزنا و القتل من قلوب غيرهم من العابدين.
و قالت فرقة من أهل الشام: إنما يحتاج إلى الحذر من قلّ يقينه و ضعف توكله، فأما من أيقن بأن اللّه عز و جل لا شريك له في تدبيره، و لا محدث في ملكه ما لا يريد، و أنه لا يضرّ و لا ينفع شىء إلا به، و أن الشيطان عبد مخلوق ذليل مهين، لا تنفذ له خطرة و لا مكيدة إلا بإذن اللّه عز و جل فيها، فالعارف باللّه عز و جل يرجع إلى اللّه عز و جل، بالتوكل و الاستحياء منه أن يراه يحذر مخلوقا دونه، فالحذر لغير اللّه عز و جل نقص من اليقين و التوكل، فأولى به الثقة باللّه عز و جل و اليقين، لأنه لا ضار و لا نافع غيره، فلا يحذر عدوّا و لا غيره.
و قالت فرقة من أهل العلم: كلا الفريقين غالط. أما ما قالت الأولى فإن من الاشتغال باللّه عز و جل و الحب له حذر ما حذّر منه، و اتباع أمره فيمن أمر بالحذر منه، لأنه عز و جل يقول: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا[١].
و قال عز و جل للناس كلهم لا يحاشى ضعيفا و لا قويّا: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ[٢] و قال عز و جل: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ[٣].
[١] - فاطر: ٦.
[٢] - الأعراف: ٢٧.
[٣] - الأعراف: ٢٧.