الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٤٣ - باب معرفة قوة الإخلاص على منازعة النفس عند العارض و النفي له
باب معرفة قوة الإخلاص على منازعة النفس عند العارض و النفي له
قلت: إذا كرهت العارض و لم أقبله فما الدليل على أن الإخلاص في قلبي أغلب و فيه أكثر من منازعة النفس و إرادتها؟
قال: ألم تعلم أن المريد للّه عزّ و جلّ و للعباد قد استوت الإرادتان في قلبه، فإذا كره ذلك كانت الإرادة للّه عزّ و جل و معها الكراهة، فكانا معنيين و منازعة النفس معنى واحدا لذلك [كانا] أكثر و أغلب.
قلت: فالنافون للرياء في مقام واحد من السرعة و الإبطاء و من الفضل و النقص؟
قال: لا، هم أربعة نفر: فمنهم من ينفي سريعا لقوة عزمه، و منهم من يلبث في المجاهدة، و منهم من ينفي الخطرة، فإذا رآه العدو كذلك لم يطمع فيما يحبط عمله، و أراد أن ينال منه ما ينقص من صلاته و غيرها في الفضل و الكمال؛ فأراه أنه إن خاصمه بالرد عليه و المجادلة له كان أصفى للإخلاص و أنجع، فيخاصمه و يجادله في النفي، فينقصه؛ إذ شغله بمخاصمته عن صلاته، لأنه لم يؤمر بمجادلته، إنما أمر بعصيانه، فقد عصاه؛ إذ لم يقبل ما دعاه إليه، و كان جداله إياه لا معنى له أكثر من الشغل عن الصلاة، أو عن برّ إن كان فيه، و إشغال قلبه بما لم يندب إليه.
و أما الثاني: فهو الذي يردّ عليه بالتكذيب من غير محاجّة و لا مجادلة.