الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٤١ - باب معرفة ما ينال به الحذر من الرياء
قال: هكذا في أول بدء المريد؛ لأن للإخلاص أولا و آخرا، فأوله: مع المجاهدة و المكابدة لقوة الشهوة و ضعف العزم، و قلة العادة للإخلاص، و طول العادة للرياء؛ لأن العبد الضعيف منذ عقل في الصبا قبل البلوغ لم يزل في تصنّع للعباد، فإذا أراد فطم نفسه عن العادة و كسر قوة شهوته بضعف عزمه و قلّة عادته للإخلاص، أبت النفس و استصعبت، فجاهد و كابد، حتى إذا أدمن الردّ على نفسه و اعتاد الإخلاص و نفي الرياء، رجع ثواب الإخلاص على قلبه من اللّه عز و جل بالنور و البصيرة، و انكسرت النفس حين طال منه منعها ما تحبّ، و يئس العدو فخنس و انتظر الشهوة و الغفلة، و أقبل اللّه عزّ و جل عليه بالنصر و المعونة؛ لما رآه قد صبر له على إدمان المجاهدة لهواه[١]، فعند ذلك تسكن دواعي الهوى، و ما عرض منها عرض بضعف و قلة، و تقوى دواعي القلب و يعظم العزم، فإذا عرض عارض الرياء نفاه سريعا بغير مكابدة و لا كلفة.
قلت: فقد تأتي حال فيها محنة شديدة و أسباب مفتنة، فتكثر فيه الخطرات حتى لا يكاد العبد يتخلص منها، و ذلك كالشهوة العظيمة و الأمر الكبير من البر الذي لا يصل إليه عامة الخلق، فتكون الوساوس كأنها مشتبكة على القلب، فبم يدفع ذلك؟
قال: إذا اختبر العبد بذلك فليذكر اللّه عز و جل، و عظيم قدره، و صغر قدر المخلوقين في عظيم قدر اللّه عز و جل، و أن المنافع كلها بيده، و أن القدرة من الخلق على منافعهم عنهم زائلة، و يصغّر أقدارهم، و يذكر اطلاع اللّه عز و جل
[١] - قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ العنكبوت: ٦٩] و قال عز و جل: وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ[ محمد: ١٧] و قال عز و جل: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى.
وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى[ الليل: ٥- ٨].