الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٩٥ - باب ما يهيج على معرفة كراهية الموت و كربه
قلت: فكيف أذكره ذكرا يباشر قلبي ذكره؟
قال: أن تفرغ قلبك حين تذكره من ذكر كل شىء إلّا من ذكره، فإذا ذكرته كذلك باشر ذلك قلبك، إذ لا شىء فيه غيره، و لم يلبث أن يتبيّن ذلك على بدنك، و كما وصف اللّه عزّ و جلّ قلب أمّ موسى ٧، حين فرّغ من كل شىء إلا من ذكر موسى صلّى اللّه عليه و سلم قال: وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً[١]. أي من كل شىء إلا من ذكر موسى ٧.
إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ[٢]، قال تقول: ابناه.
فأخبر تعالى، أن فؤادها لما فرغ من ذكر كل شىء إلا من ذكر ابنها كادت أن تبديه فيكون في ذلك ما تحاذر و ما يهلك، فكيف لا يظهر و يتبيّن على من فرّغ قلبه لذكر الموت و ما يبدو منه فيه نجاته، فمن فرّغ قلبه من ذكر كل شىء إلا من ذكر الموت غلب على قلبه من الحزن و الهمّ، ما يكاد أن يجد طعم الموت منه، كما روى عن عيسى ابن مريم ٧ أنه قال:
«يا معشر الحواريين ادعوا اللّه عزّ و جلّ، أن يهوّن عليّ هذه السكرة، فلقد خفت الموت حتى أوقفني خوفي من الموت على الموت».
فمن باشر ذكر الموت قلبه انكسر عن الدنيا فؤاده، و قلّ سروره و فرحه و حسده فيها، كما قال أبو الدرداء: من باشر ذكر الموت قلبه قلّ فرحه و حسده[٣].
[١] - القصص: ١٠.
[٢] - القصص: ١٠.
[٣] - أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٠٦( ١٦٤٣١)، و ابن المبارك في زوائد الزهد( ١٤٩)، و أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٢٠، و اللفظ عندهم:« من أكثر من ذكر الموت قلّ حسده، و قلّ فرحه».