الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٠١ - الدين البوذي
عمره، وقد تعرّف في هذه المدة على علوم زمانه ولا سيّما تعاليم الكتاب المقدس للهنود الذي يعرف باسم: «وودا». ثم اعتزل كل هذه النعمة والترف للرياضة الروحية على أثر ثورة روحية لديه. وكان الذي يشغل باله هو الفكر في مصدر آلام البشرية، وكيف يستطاع التوصل الى حياة سعيدة؟ وبعد سنين من الرياضة الروحية توصل أخيراً تحت شجرة التين الى اكتشاف فكرة اعتقد بأنّها هي سر الحياة السعيدة، وترك بعد هذا الاعتزال والخلوة وأنكر الرياضة وبدأ بتعليم الناس وإرشادهم. والذي اكتشفه ليس إلّا قانوناً طبيعياً ساذجاً بسيطاً هو: أنّ هذا العالم يحكمه قانون الثواب والعقاب؛ وأنّ الخير يولّد الخير والشر يولّد الشر!
هذا الوليد الجديد لملوك الهند الذي كان يُدعى «سيداتا» وتَلقّب بعد دعوته باسم «بودا» أنكر بعد كشفه هذا القانون سنّة القرابين والأدعية والبكاء والتضرّع والخضوع للّالهة وأثرها في مصير الإنسان، بل أنكر الآلهة وآمن بقدم العالم والقانون الأزلي لهذه الحياة، وأنكر كتاب «وودا» الذي كان يدعو الى القرابين والأدعية وغيرها، الذي كان يفترض تفاوتاً بين البشر بحسب أصل الخلقة، وينتقد ذلك.
إنّ طريقة بودا أشبه بالفلسفة من الدين، إلّا أنّ اتّباعه جعلوا طريقته ديناً يعتنقونه، وصعدوا به- وهو ينكر العبادة والدعاء- الى رتبة إله يعبد دون الآلهة! إذ صنعوا لأنفسهم معابد أقاموا فيها تماثيل بودا، وجمعوا أقواله في كتاب سموه «سلال العلم الثلاث».
ووجد بودا أتباعاً كثيرين وهو على قيد الحياة، إذ تبعه أهل ولايتين من ولايات الهند يومذاك أحدهما عاصمة أبيه، ثم توسع نطاق دينه بعد ذلك. واعتنق دين بودا في القرن الرابع الميلادي أحد السلاطين الهند باسم «آشوكا» أحيا تعاليمه وبنى لأتباعه صوامع كثيرة، فاشتهر دين بودا وكثر أتباعه في الهند. إلّا أنّه حينما ظهر الإسلام في الهند بدأ هذا الدين بالتقلص من موطنه الأصلي، وأخذ بالنفوذ بدل ذلك في الأُمم المجاورة للأراضي الهندية. والآن دين بودا احد الأديان العالمية الكبرى