الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٤٧ - امة في طريقها إلى الحياة
يعلم الذين نظروا في تاريخ الحركات التحرّرية أنّ أساس تحرّر الأُمم والشعوب مبنيٌّ على تحرّر واقعي لفرد أو جماعة- ولو قليلة- عن قيود أرباب الدنيا، وتوصلهم الى درجة التحرّر الكامل من هذه العلاقات، ثم تنبيه هؤلاء لأُممهم: أنّ الأُمم هي التي تريد أن تبقي سلطة أرباب الدنيا على رؤوسها فيظلّ حكمهم قائماً، بينما هم إذا أرادوا أن يذوب أرباب القوّة والثروة ذابوا كما تذوب الثلوج في المياه الحارّة.
إنّ أساس تحرّر الإنسان مبنيٌ على إيمانه بحقّه وأنّه مظلوم ومغصوب عليه، هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى إيمانه ببطلان جهاز هؤلاء الأرباب وضعفهم وتزلزلهم. وأي دين ومدرسة تعلّم أبناءها وأتباعها مباني وأُصول هذا التحرّر أوضح وأصرح من الإسلام؟ إذ أنّ الإسلام والتوحيد لا يعني سوى التحرير والانطلاق، وكسر القيود وفتح الطُرق والسُبل أمام التكامل الى ساحة القدس الربوبية.
إنّ الإسلام يقول لأبنائه: إنّ هذا الاختلاف الذي ترونه بين أُمم الأرض في الألوان و العناصر و الدماء واللغات، والذي خلق منه الإنسان مقاييس للتفرقة والانفصال والاستقلال، ليس شيئاً جوهرياً وأصيلًا، وليس أي منهم أعزّ وأشرف إلّا من سلك سبيل التكامل في الإنسانية بسلوك سبيل الله والإسلام، وإنّ ما تشاهدونه بين أبناء البشر من الألوان والألسن والتقاليد ليست سوى صور لحقيقة واحدة هي كثرة أفراد هذا الموجود الإنساني، تماماً كما تراه بعينك من الاختلاف في صور الطبيعة والجمال، فلكلّ وردٍ رائحة ولون وفوائد خاصّة ولجميعها التقدير والتثمين في سبيل تكامل الإنسان وليس لهذه الاختلافات دورٌ في فصل الناس بعضهم عن بعض وعداء بعضهم لبعض، بل لها دور (التعارف) بينهم ممّا يؤثر في حصول التكامل المادي والمعنوي بينهم: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[١].
[١] الحجرات: ١٣.