مجموع الرسائل الفقهية - صددى، على فاضل - الصفحة ٥٥٤ - دراسة الموارد الستّة للمشكل
وعدمه، كيف؟! والعهد بعيدٌ، والفصل طويلٌ، وقد تخلّل بيننا عصر الأمويّين الّذين بدَّلوا الحكومة الإسلاميّة حكومةً جاهليّةً، ومحقوا أحكام الدين، حتىّ أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا وجوب الزكاة الثابت بنصّ القرآن، كما يحكيه لنا التاريخ والحديث، بل في صحيح أبي داوود، وسنن النسائيّ أنّ أكثر أهل الشام لم يكونوا يعرفون أعداد الفرائض، وعن ابن سعدٍ في الطبقات أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا مناسك حجّهم، وروى ابن حزمٍ عن ابن عبّاسٍ أنّه خطب في البصرة، وذكر زكاة الفطرة، وصدقة الصيام، فلم يعرفوها، حتّى أمر من معه أن يعلِّم الناس، فإذا كان الحال هذه بالإضافة إلى مثل هذه الأحكام الّتي هي من ضروريّات الإسلام، ومتعلِّقة بجميع الأنام، فما ظنّك بمثل الخمس الّذي هو حقٌّ خاصٌّ [للنبيّ (ص)]، ولقرابته؟! ولم يكن من الحقوق العامّة كما في الزكاة، بل لخصوص بني هاشم- زادهم الله عزّاً وشرفاً-. فلا غرابة إذن في جهلنا بما كان عليه أمر الخمس في عصره (ص) أخذاً وصرفاً. إلّا أنّ هذا كلَّه لا يكشف عن عدم الوجوب، وعدم الوصول لا يلازم عدم التشريع بعد أن نطق به الكتاب العزيز، والسنّة المتواترة ولو إجمالًا .." [١].
ثمّ إنّ العامَّة قد رووا عن النبي (ص) وجوب الخمس في هذا النوع، ففي صحيح البخاريّ- بستّة أسانيد-، وصحيح مسلم، عن ابن عبّاس، قال: (قدم وفد عبد القيس على رسول الله [ (ص)]، قال: مرحباً بالوفد الّذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى. فقالوا: إنَّا هذا الحيّ من ربيعة (قد حالت بيننا وبينك كفَّار مضر)، ولسنا نصل إليك إلّا في الشهر الحرام، فمرنا بشيءٍ نأخذه عنك، وندعو إليه مَن وراءنا، فقال: آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ؛ الإيمان بالله، ثمّ فسّرها لهم: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، وإقام الصلاة،
[١] مستند العروة الوثقى (الخمس)/ موسوعة الإمام الخوئيّ ١٩٩: ٢٥- ٢٠٠، وقريبٌ منه في تفصيل الشريعة (الخمس والأنفال): ١١٠- ١١١.