مجموع الرسائل الفقهية - صددى، على فاضل - الصفحة ٥١٦ - المبحث الأول اختلاف مرتبة التوبة باختلاف المعصية
جَوَارٍ يَتَغَنَّيْنَ وَيَضْرِبْنَ بِالْعُودِ، فَرُبَّمَا أَطَلْتُ الْجُلُوسَ اسْتِمَاعاً مِنِّي لَهُنَّ، فَقَالَ (ع): لا تَفْعَلْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا آتِيهِنَّ، إِنَّمَا هُوَ سَمَاعٌ أَسْمَعُهُ بِأُذُنِي، فَقَالَ (ع): لِلَّهِ أَنْتَ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: (إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)؟ فَقَالَ: بَلَى، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنْ عَرَبِيٍّ وَلا مِنْ عَجَمِيٍّ، لا جَرَمَ أَنِّي لا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ فَاغْتَسِلْ وَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ؛ فَإِنَّكَ كُنْتَ مُقِيماً عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، مَا كَانَ أَسْوَأَ حَالَكَ لَوْ مِتَّ عَلَى ذَلِكَ، احْمَدِ اللَّهَ وَسَلْهُ التَّوْبَةَ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَكْرَهُ إِلا كُلَّ قَبِيحٍ، وَالْقَبِيحَ دَعْهُ لأهْلِهِ؛ فَإِنَّ لِكُلٍّ أَهْلا) [١]. فإن تعليل الأمر بالغسل ب- (فَإِنَّكَ كُنْتَ مُقِيماً عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ) شاهدٌ على كون هذا الأمر ندبياً لا إلزامياً، وبدون هذا الشاهد يكفي لدفع وجوب الغسل ما يعرف بالدليل الخامس، وأنه لو كان لبان [٢]، مضافاً للسيرة القطعيّة على عدم الوجوب. ثمّ إن نفس هذا التعليل شاهد على كون هذا الغسل من القسم الثاني، كما أنه قرينة على عدم اختصاص هذا الغسل بمعصية استماع الغناء، بل بالأولويّة يسن هذا الغسل بعد إتيان الكبيرة أو بعد التوبة من الكفر مطلقاً.
الفصل الخامس: مراتب التوبة وأثرها:
المبحث الأول: اختلاف مرتبة التوبة باختلاف المعصية
تقدّم [٣] أن التوبة عبارة عن الرجوع من العصيان والمخالفة والطغيان إلى الطاعة والاستجابة، ثمّ إن كلًا من العصيان والمخالفة والطغيان إما بإتيان المنهي عنه أو بترك
[١] وسائل الشيعة ٣٣١: ٣ ب ١٨ من أبواب الأغسال المسنونة ح ١.
[٢] والتخريج الصناعي ل- (لو كان لبان) أنها أمارة عقلائيّة أمضاها الشارع بسكوته وعدم ردعه عنها.
[٣] في الفصل الأول من الرسالة.