نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٨ - التاسع فصل في أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله
و خامسها: أنّه إذا جاز منع المكلّف ممّا أمر به بالإحرام، فكذلك يجوز بالنّهي، و إلاّ فما الفرق بين الأمرين.
و سادسها: أنّ السيّد منّا قد يأمر عبده بالتجارة و غيرها بشرط بأن لا ينهاه.
و سابعها: أنّ الطهارة إنما تجب لوجوب الصلاة و مع ذلك فقد يمنع المكلّف بالموت عن الصلاة، و إن كان قد توضّأ، فأيّ فرق بين منعه بالموت و منعه بالنهي؟.
و ثامنها: ما روي من قوله عليه السّلام في وصف مكّة: «أحلّت لي ساعة من نهار» [١] ثمّ لم يقع منه عليه السّلام قتال في ساعة و لا ساعات.
و الجواب عمّا تعلقوا به أوّلا: أنّ ظاهر الآية يقتضي محوا و إثباتا على الحقيقة، و ذلك لا يليق بالنسخ، و إن استعمل فيه على جهة المجاز، فالأشبه بظاهر الآية ما روي من أنّه تعالى يمحو من اللّوح المحفوظ ما يشاء، و يثبت ما يشاء، لما يتعلّق بذلك من صلاح الملائكة. و إن عدلنا عن الظّاهر، و حملناه على النسخ فليس فيه أنّه يمحو نفس ما أثبته، و نحن نقول: أنّه ينسخ الشّرائع على الوجه الصحيح، فإذا حملنا الآية على النسخ، فهي كالمجمل من غير تفصيل.
و الجواب عمّا تعلّقوا به ثانيا: أنّه تعالى لم يأمر إبراهيم عليه السّلام بالذبح الّذي هو فرى الأوداج، بل بمقدّماته، كالإضجاع له و تناول المدية، و ما جرى مجرى ذلك، و العرب تسمّي الشيء باسم مقدّماته، و الدليل على هذا قوله تعالى:
وَ نََادَيْنََاهُ أَنْ يََا إِبْرََاهِيمُ (١٠٤) `قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا [٢] . فأمّا جزع إبراهيم فلأنّه أشفق من أن يأمره بعد مقدّمات الذّبح بالذّبح نفسه؛ لأنّ العادة بذلك جارية، و أمّا الفداء فلا يمتنع أن يكون عمّا ظنّ أنّه سيؤمر به من الذبح، و لا يمتنع أيضا أن يكون عن مقدّمات الذبح زائدة على ما فعله لم يكن قد أمر بها؛ فإنّ الفدية لا يجب أن تكون من جنس المفدىّ؛ لأنّ حلق الرأس قد يفدى بدم ما يذبح.
[١] صحيح البخاري، ٢: ٢١٣ باب لا يعضد شجر حرم.
[٢] سورة الصافات، الآيتان: ١٠٤ و ١٠٥.