نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٦٠ - الأوّل تمهيد
يثبت القياس يجب ألاّ يعرف ذلك، و لو ورد التعبّد بالمنع من القياس لكان يجب ألاّ يكون ما ذكرناه مفهوما، و نحن نعلم ضرورة أنّ قولهم: «فلان مؤتمن على القنطار» أبلغ من قولهم: «إنّه مؤتمن على كلّ شيء» ، و قولهم: «ما يملك نقيرا و لا قطميرا» أبلغ من قولهم: «إنّه لا يملك شيئا» ، و إنّما اختصروا للبلاغة و الفصاحة، و لهذا يعدّون مناقضا من قال: «لا تقل له أفّ، و استخفّ به» ، أو قال: «فلان لا يملك نقيرا، و معه ألوف الدّنانير» .
و أمّا طريقة التّعليل؛ فأكثر ما فيها أن يعقل من قوله عليه السّلام: «إنّها من الطّوّافين عليكم و الطّوّافات» تعليق الحكم بهذه الصفة، فمن أين تعدّيه إلى كلّ ما كانت له هذه الصفة، و ذلك إنّما يكون بالعبادة بالقياس، و إلاّ لم يكن مستفادا.
فأمّا الزّجر؛ فالأولى أن يكون قوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ [١] -إذا ثبت أنّه زجر عن السرقة-أنّ القطع إنّما كان لأجل السّرقة. و الأغلب في العادة و التّعارف أنّ من أوجب شيئا، فقد أوجب ما لا يتمّ إلاّ به.
فأمّا ما لا يستقلّ بنفسه، و يحتاج إلى بيان؛ فهو على ضربين:
أحدهما: يحتاج إلى بيان ما لم يرد به ممّا يقتضي ظاهره كونه مرادا به كقوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا [٢] و اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ [٣] . و قد ذهب قوم إلى أن ذلك كالمجمل في أن ظاهره لا يدلّ على المراد، و هذا الوجه له باب مفرد يذكر في موضعه و الخلاف فيه، بمشيّة اللّه، و يدخل في هذا القسم النسخ؛ لأنّ الدليل المتقدّم إذا علم بلفظه أو بقرينة أنّ المراد به الامتثال في جميع الأوقات المستقبلة؛ فلا بدّ من الحاجة إلى بيان ما لم يرد به، ممّا يفيده النّسخ. و يدخل في هذا القسم ضروب المجازات؛ لأنّ الخطاب إذا ورد، فلو خلّينا و ظاهره؛ لاقتضى ما لم يرد منّا، فلا بدّ من الحاجة إلى البيان.
[١] سورة المائدة، الآية: ٣٨.
[٢] المصدر نفسه.
[٣] سورة النور، الآية: ٢.