نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٢١ - الثالث البحث في الحقيقة و المجاز
الحكيم قوما بلغتهم و جرّد كلامه عمّا يقتضي العدول عن ظاهره، فلا بدّ من أن يريد به ما تقتضيه المواضعة في تلك اللّفظة الّتي استعملها.
و من شأن الحقيقة ان تجري في كلّ موضع تثبت فيه فائدتها من غير تخصيص، إلاّ أن يعرض عارض سمعي يمنع من ذلك، هذا إن لم يكن في الأصل تلك الحقيقة وضعت لتفيد معنى في جنس دون جنس، نحو قولنا: أبلق، فإنّه يفيد اجتماع لونين مختلفين في بعض الذّوات دون بعض؛ لأنهم يقولون:
فرس أبلق، و لا يقولون: ثور أبلق.
و إنّما أوجبنا اطّراد الحقيقة في فائدتها؛ لأنّ المواضعة تقتضي ذلك، و الغرض فيها لا يتم إلاّ بالاطّراد، فلو لم تجب تسمية كلّ من فعل الضّرب بأنه ضارب، لنقض ذلك القول بأنّ أهل اللّغة إنّما سمّو الضّارب ضاربا، لوقوع هذا الحدث المخصوص الّذي هو الضرب منه.
و إنّما استثنينا المنع السمعي لأنّه ربما عرض في إجراء الاسم على بعض ما فيه فائدته مفسدة، فيقبح إجرائه، فيمنع السمع منه، كما قلنا في تسميته تعالى بأنّه فاضل.
و اعلم أنّ الحقيقة يجوز أن يقلّ استعمالها، و يتغيّر حالها فيصير كالمجاز، و كذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف فيلحق بحكم الحقائق.
و إنّما قلنا ذلك، من حيث كان إجراء هذه الأسماء على فوائدها في الأصل ليس بواجب، و إنّما هو بحسب الاختيار، و إذا صحّ في أصل اللّغة التّغيير و التّبديل، فكذلك في فرعها، و المنع من جواز ذلك متعذّر. و إذا كان جائزا، فأقوى ما ذكر في وقوعه و حصوله أنّ قولنا: غائط، كان في الأصل اسم للمكان المطمئنّ من الأرض، ثمّ غلب عليه الاستعمال العرفيّ، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة و الحدث المخصوص، و لهذا لا يفهم من إطلاق هذه اللفظة في العرف إلاّ ما ذكرناه، دون ما كانت عليه في الأصل. و أمّا استشهادهم على ذلك بالصلاة و الصّيام، و أنّ المفهوم في الأصل من لفظة الصلاة الدعاء، ثمّ صار بعرف