نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٦ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
و لم يرد أن في أخلاقهم فحشا آجلا، و لا جزعا، و إنّما أراد نفي الفحش و الجزع عن أخلاقهم» [١] .
و في ضوء هذا الفهم لأساليف العرب في التعبير يمضي المرتضى و يفصل القول في كلّ آية من هذه الآيات، فقوله تعالى: وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ تغليط و تأكيد في تحذيرهم الكفر، و هو أبلغ من أن يقول: «و لا تكفروا به» و كذلك قوله تعالى: لاََ يَسْئَلُونَ اَلنََّاسَ إِلْحََافاً معناه لا مسألة تقع منهم، و قوله تعالى:
وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً، معناه أن كلّ ثمن لها لا يكون إلاّ قليلا و قوله تعالى: وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ دلّ على أن قتلهم لا يكون إلاّ بغير حقّ [٢] . و هكذا فإنّ المرتضى يتوسّل بالنصّ الشعري لكي ينفذ إلى داخل النصّ القرآني، أو بمعنى آخر فهو يجعل النصّ الشعري وسيلة لإبلاغ الفكرة القرآنية المقصودة.
و يقف المرتضى عند قوله تعالى: فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مََا كََانُوا مُنْظَرِينَ [٣] ، و يتساءل: كيف يجوز أن يضيف البكاء إليهما، و هو لا يجوز في الحقيقة عليهما؟و في الجواب يذكر أكثر من رأى منها: «أنه تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، و سقوط المنزلة، لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: كسفت الشمس لفقده، و أظلم القمر، ... يريدون المبالغة في عظم الأمر و شمول ضرره؛ قال جرير [٤] يرثي عمر بن عبد العزيز:
الشمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل و القمرا
و هذا صنيعهم في وصف كلّ أمر جل خطبه، و عظم موقعه... قال النابغة [٥] :
تبدو كواكبه، و الشمس طالعة # لا النور نور و لا الإظلام إظلام» [٦]
[١] أمالي المرتضى، ١: -٢٢٨-٢٣٠.
[٢] ينظر أمالي المرتضى، ١: ٢٣١.
[٣] سورة الدخان الآية: ٢٩.
[٤] ديوانه: ٢٣٥. و الرواية فيه:
فالشمس كاسفة ليست بطالعة # تبكي عليك نجوم الليل و القمرا
[٥] ديوانه: ١٠٥.
[٦] أمالي المرتضى، ١: ٥-٥٢.