نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩١ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
المقام قد لا يصل بنا إلى فهم النصوص فهما صحيحا، و من هنا كانت عناية العرب بأسباب النزول للإحاطة بما يرافق النصّ القرآني الكريم من ظروف و أحداث كي يصل المفسّر لآيات اللّه الكريمات إلى فهم صحيح. فهذه الأسباب قرائن للكشف و التفسير، إذ تتضافر مع القرائن الأخرى، أي إنّ «القرآن و هو أسميّ نصّ عربي يرصد القرائن الحالية الّتي تتمثّل في أسباب النزول، و من القرائن المقالية الّتي تتمثّل في تراكيب النصّ، و في الآيات الّتي تفسر آيات أخرى ما يحول بين اللبس و سياقه الكريم» [١] .
و من سياق الحال ما يعرف بالسياق الاجتماعي، و نعني به ظرف النصّ الاجتماعي أو الموقف الاجتماعي الّذي يكتنف المقال في أثناء الحدث الكلامي، فاللغة ظاهرة اجتماعية لا يمكن فصلها عن المجتمع و السياق الاجتماعي، و هي نشاط اجتماعي من حيث إنّها استجابة ضرورية لحاجة الاتّصال بين الناس جميعا [٢] .
و مال بعض الباحثين إلى التفريق بين المصطلحين «سياق الحال» و «السياق الاجتماعي» على أساس أنّ «سياق الحال» موقف مؤقّت يتّصف بالآنية عند النطق بالكلام أو كتابته، في حين أنّ «السياق الاجتماعي» يتّصف بالثبات و الدوام تقريبا، فهو سياق سائد [٣] . و مع ذلك فهو لا يخرج عن سياق الحال، لأنّه لا يخرج عن مجمل الظروف و الملابسات الّتي تحيط بالنصّ من الخارج.
و الشريف المرتضى يعتمد هذا النوع من السياق في تفسيره للنصّ القرآني، و يعدّه عنصرا دلاليا و قرينة لفهم الكلام. فهو حين يقف عند قوله تعالى: وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقىََ وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوََابِهََا [٤] . نراه يتساءل فيقول: هل المراد بذلك البيوت المسكونة على الحقيقة،
أو كنّى بهذه اللفظة عن غيرها؟ثمّ يرجح المرتضى الدلالة الحقيقية للفظة
[١] اللغة و النقد الأدبي، (بحث) : ١٢٢.
[٢] ينظر المدخل إلى علم اللغة: ١٢٨.
[٣] ينظر الدولة في البنية العربية: ١٢٦.
[٤] سورة البقرة، الآية: ١٨٩.