نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٠ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
و ما قاله الشيخ الطوسي رحمه اللّه من أنّ قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ [١] من المتشابه غير صحيح، فالآية نزلت ردّا على اليهود أو قريش-على خلاف في الرواية-كما ذكر السيّد المرتضى، و بيّنه الطوسي نفسه [٢] ، و سبقهم إلى ذلك القاضي عبد الجبّار في كتابه «تنزيه القرآن عن المطاعن» [٣] فلا تعلّق للآية بأفعال العباد، و إنّما هي مخصوصة بما يقدّره اللّه تعالى عليهم من الخير و الضرّ. و هي محكمة و ليست متشابهة. و للقاضي عبد الجبّار ملاحظة ذكية تؤكّد هذا المعنى.
و هي أنّ قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ، لو كان متعلّقا بخلق أفعال العباد، لادعت العرب بتناقض القرآن، لأنّ اللّه تعالى يقول في آية أخرى: مََا أَصََابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ وَ مََا أَصََابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [٤] . و إنّما عدلوا عن ذلك، لأنّ المراد بالأوّل المصائب و الأمراض، و بالثاني المعاصي [٥] .
و يقف السيّد المرتضى عند قوله تعالى: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [٦] .
و في كشفه عن دلالة لفظة «القريب» يقول: «أنّه تعالى لم يرد بقوله: «قريب» من قرب المسافة؛ بل أراد أنني قريب بإجابتي و معونتي و نعمتي، أو بعلمي بما يأتي العبد و يذر، و ما يسرّ و يجهر، تشبيها بقرب المسافة؛ لأنّ من قرب من غيره عرف أحواله و لم تخف عليه... و قد روى أنّ قوما سألوا الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم فقالوا له: أربّنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟فأنزل اللّه تعالى هذه الآية [٧] . و في موضع آخر يقول: «و العرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة؛ فيقولون: فلان أقرب إلى قلبي من فلان، و زيد منّي قريب، و عمرو منّي بعيد؛ و لا يريدون المسافة» [٨] .
و هكذا يتّضح لنا أنّ الاكتفاء بظاهر اللفظ و ما يحمله من دلالات بمعزل عن
[١] سورة النساء، الآية: ٧٨.
[٢] ينظر التبيان، ٣: ٢٦٤، و منهج الطوسي في تفسير القرآن: ٢١٠.
[٣] ينظر تنزيه القرآن عن المطاعن: ٩٤.
[٤] سورة النساء، الآية: ٧٩.
[٥] ينظر تنزيه القرآن عن المطاعن: ٩٤.
[٦] سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
[٧] أمالي المرتضى، ١: ٦٠٣.
[٨] نفسه: ١: ٥٢٧.