نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٨ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
المخاطب، في أثناء التفوّه، فتعطيها هذه الظروف دلالتها الّتي يولدها هذا النوع من السياق» [١] ، ذلك أنّ «المعنى المعجمي ليس كلّ شيء في إدراك معنى الكلام. فثمة عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء من أجزاء معنى الكلام من ملابسات و ظروف ذات صلة» [٢] . و قد يكون ما يصاحب اللفظ و يساعد على توضيحه ورود الكلمة أو اللفظة في استعمال معيّن، و قد يكون ما يصاحب اللفظ من غير الكلام مفسّرا للكلام [٣] .
و أوّل من استعمله من المحدّثين عالم المجتمعات البشرية «الانثروبولوجي» :
مالينوفسكي، و قد أخذ منه اللغوي الانكليزي فيرث «سياق الحال» مطلقا عليه اسم
noitauts fo xetnoC
الّذي ترجمه الباحثون العرب المعاصرون بـ «سياق الحال» و «الماجرى» و «المقام» و «الموقف» و «السياق الاجتماعي» [٤] .
و تجب الإشارة هنا إلى أنّ العلماء العرب القدامي من لغويين و بلاغيين و مفسّرين قد تنبّهوا على هذا النوع من الدلالة لكنّهم اكتفوا في كثير من الأحيان بوصفه عن تسميته [٥] . و لعلّ سيبويه (ت ١٨٠ هـ) أقدم من نبّه عليه، فقد أشار إلى الفارق الدلالي بين قولين و حالين يقال فيهما: «القرطاس و اللّه» ، الأوّل يقوله شخص رأى رجلا يسدّد سهما قبل القرطاس، فيقول هذا الكلام، و يقصد به: إنّ هذا الرجل يصيب القرطاس. و الثاني يقوله بعد وقع السّهم في القرطاس، و يقصد: إنّه أصاب القرطاس [٦] . و قد تنبّه الجاحظ (ت ٢٤٤ هـ) على هذا الشيء، و عقد في كتابه البيان و التبيين مبحثا عن سياق المقام [٧] .
[١] منهج الخليل في دراسة الدلالة القرآنية: ١٦٢-١٦٣.
[٢] علم اللغة: ٢٨٨.
[٣] ينظر المعاجم اللغوية في ضوء علم اللغة الحديث: ١١٦.
[٤] علم اللغة: ٣٣٩.
[٥] ينظر الدلالة في البيّنة العربية: ١٢٦.
[٦] ينظر الكتاب، ١: ٢٥٧، و الخصائص، ٢: ٣٦٠.
[٧] ينظر البيان و التبيين، ١: ١٣٦.