نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٧ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
و يعدّ ذلك من فصيح الكلام، لأنّ الفصيح-كما يقول-ينتقل من خطاب مخاطب إلى غيره، فالكلام واحد متّصل بعضه ببعض و الخطاب منتقل من واحد إلى غيره. و هذا الّذي ذكره المرتضى هو ما عرف في الدراسات البلاغية المتأخّرة «بالالتفات» ، و يعنون به: «العدول عن الغيبة إلى الخطاب أو على العكس» [١] ، و هذا-كما يرى الزمخشري-يجري على عادة افتتان العرب في الكلام، و تصرّفهم فيه، و لأنّ الكلام إذا نقل من إسلوب إلى إسلوب «كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، و إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على اسلوب واحد» [٢] .
و لم يكتف المرتضى بهذا الرأي الّذي يرجحه العقل و يؤيّده السياق، و لكنّه -و ربّما بدافع الحرص على تنزيه الأنبياء-يتكلّف من الآراء ما يأباه السياق و تتابع الآيات، فيقول في توجيه الآية السابقة: منها أن تكون الهاء في قوله تعالى: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ راجعة إلى الولد لا إلى اللّه تعالى، و يكون المعنى:
إنّهما طلبا من اللّه تعالى أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطلبتين، و يجري هذا القول مجرى قول القائل: طلبت منّي درهما فلمّا أعطيتك شركته بآخر، أي طلبت آخر مضافا إليه، فعلى هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أوّل الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم و حوّاء عليهما السّلام» [٣] .
و هذا الرأي لا يرجحه السياق، فقد جاء بعد الآية السابقة مباشرة قوله تعالى: أَ يُشْرِكُونَ مََا لاََ يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ [٤] ، و في هذا دلالة على أنّ المراد في الآية الأولى هو الإشراك باللّه تعالى دون الإشراك في الطلب، و اللّه أعلم بمراده.
سياق الحال: و يراد به الأحوال و الظروف و الملابسات الّتي تصاحب النصّ و تحيط به، أو قل هو «كلّ ما يحيط باللفظه من ظروف تتّصل بالمكان أو المتكلّم أو
[١] نهاية الإيجاز: ١١٢.
[٢] الكشّاف، ١: ٦٤.
[٣] تنزيه الأنبياء: ١٩.
[٤] سورة الأعراف، الآية: ١٩١.