نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٥ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
قوله: اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و زاد معنى هذه اللفظة عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر أفعاله و إنّما طعن بهذا الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام، و إلاّ فبين ما تضمنه القرآن من اللفظة و بين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة و استيفاء المعاني و الاشتمال عليها» [١] .
فالشريف المرتضى ينبّه على أنّ التقاط المعنى محتاج إلى نظر في السياق، و تأمّل في أعطافه، و السياق-هنا-تطلب هذا اللفظ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ دون سواه؛ لأنّ المعنى هو تفويض الأمر إلى مالكه و تسليمه إلى مدبّره و التبرّي من أن يكون إليه شيء من أمور قومه [٢] و هذا يدلّ على دقّة القرآن الكريم في اختيار ألفاظه، و أنّك لو غيّرت كلمة و وضعتها مكان أخرى منه لشعرت بخلل في النظم [٣] ، فالأداء القرآني يمتاز «بالتعبير عن قضايا و مدلولات ضخمة في حيز يستحيل على البشر أن يعبروا فيه عن مثل هذه الأغراض، و ذلك بأوسع مدلول و أدقّ تعبير مع التناسق العجيب بين العبارة و المدلول» [٤] . و قد تنبّه القدماء على هذا الشيء، و ذكروا أنّ ألفاظ القرآن صارت بطريقة استعمالها و وجه تركيبها كأنّها فوق اللغة، فإنّ أحدا من البلغاء لا تمتنع عليه متى أرادها، و لكن لا تقع له بمثل ما جاء في القرآن الكريم [٥] .
و يلاحظ على المرتضى-أحيانا-أنّه يستعين بالدلالة السياقية و الدلالة العقليّة معا في توجيهه لدلالة النصّ القرآني، و بخاصّة في الآيات الّتي يصطدم ظاهرها مع مبادئه العقليّة و يتّضح هذا في تفسيره لقوله تعالى: *هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمََّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) [٦] .
[١] نفسه: ١٣٣-١٣٤.
[٢] ينظر تنزيه الأنبياء: ١٣٢-١٣٣.
[٣] ينظر دور الصوت في إعجاز القرآن: ١٤٥.
[٤] صفاء الكلمة: ٦.
[٥] ينظر تأويل مشكل القرآن: ٢١.
[٦] سورة الأعراف، الآيتان: ١٨٩-١٩٠.
غ