نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٧ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرّيّة الّتي استخرجت من ظهر آدم عليه السّلام فخوطبت و قرّرت من أن تكون كاملة العقول... أو لا تكون كذلك، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم و إنشائهم، و إكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال، و ما قرّروا به، و استشهدوا عليه؛ لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى، و إن بعد العهد و طال الزمان... و إن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل و شرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم، و صار ذلك عبثا قبيحا، يتعالى اللّه عنه [١] . و بعد هذا التحليل العقلي الدقيق يذكر المرتضى وجهين في معنى الآية يرجحهما، أحدهما: أنّه تعالى لما خلقهم و ركبهم تركيبا يدلّ على معرفته و يشهد بقدرته و وجوب عبادته، و أراهم العبر و الآيات في أنفسهم و في غيرهم، كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم... و إن لم يكن هناك إشهاد و لا اعتراف على الحقيقة، و يجري ذلك مجرى قوله تعالى:
ثُمَّ اِسْتَوىََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [٢] ، و إن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة، و لا منهما جواب» [٣] .
و لم يبتعد الزمخشري عن هذا القول، إذ انّه جعل الآية من باب التمثيل و التخييل قائلا: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلىََ شَهِدْنََا من باب التمثيل و التخييل، و معنى ذلك أنه نصب لهم الأدلّة على ربوبيّته و وحدانيته، و شهدت بها عقولهم و أبصارهم الّتي ركبها فيهم» [٤] .
و خلاصة القول: إنّ أسلوب تفسير القرآن بالقرآن من الأساليب الّتي اعتمدها الشريف المرتضى في تفسيره و بيانه لدلالة النصّ القرآني، إذ تميز منهجه بإيراد النصوص القرآنية، و هو يعرض مادّته لتأكيد أحكامه في قضيّة ما، لغوية كانت أم نحوية أم تفسيرية، و لا أقول: إنّه أوّل من استعمل هذا الأسلوب فقد سبقه علماء التفسير و اللغة، و لكن الشيء الّذي يلاحظ أن الشريف المرتضى قد
[١] أمالي المرتضى، ١-٢٨: ٢٩، و رسائل الشريف المرتضى، ١-١١٣: ١١٤.
[٢] سورة فصلت، الآية: ١١.
[٣] أمالي المرتضى، ١: ٣٠.
[٤] الكشّاف، ٢: ١٢٩.