نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٦ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
فضل من ربّي، و قالت الخنساء [١] :
فذلك يا هند الرزية فاعلمي # و نيران حرب حين شبّ وقودها [٢]
و واضح هنا أنّ الشريف المرتضى يجعل العقل دليلا كاشفا عن صحّة التفسير أو ضعفه، فما يرفضه العقل مرفوض عنده باستمرار، و لكنّه لا يلغي دليل النقل، و لا يغض من شأنه، بل يحاول أن يزاوج ما بين المنقول و المعقول، و أن لا يقيم تعارضا بين حجج العقل و حجج القرآن، فالتفسير العقلي مضافا إليه التفسير اللغوي يتضافران في توجيهه لدلالة النصّ القرآني، فالرجل يجمع بين دليل القرآن و دليل اللغة، و هو في كلّ هذا قوي الحجّة، و استشهاداته قويّة في دلالتها على ما يريد.
و من المواطن الأخرى الّتي يجمع المرتضى فيها بين دليل القرآن و دليل العقل ما جاء في بيانه لدلالة قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلىََ شَهِدْنََا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ [٣] ، إذ انّه يرفض قول الّذين ظنّوا في تأويلهم للآية أنّ اللّه تعالى استخرج من ظهر آدم عليه السّلام جميع ذرّيته، و هم في خلق الذرّ، فقررهم بمعرفته، و أشهدهم على أنفسهم [٤] ، و يعلّل هذا الرفض بقوله: و هذا التأويل-مع أنّ العقل يبطه و يحيله-ممّا يشهد ظاهر القرآن بخلافه؛ لأنّ اللّه تعالى قال: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، و لم يقل: من آدم، و قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ، و لم يقل:
من ظهره، و قال: ذُرِّيَّتَهُمْ و لم يقل: ذرّيته [٥] .
و يؤكّد المرتضى هذا المعنى اللغوي بدليل عقلي، فيقول: فأمّا شهادة
[١] ديوانها: ٤٤.
[٢] أمالي المرتضى، ١: ٧١.
[٣] سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.
[٤] ينظر أمالي المرتضى، ٢٨: ١. و قد جاء في معاني القرآن (٣: ٣٩٠) : قال بعضهم: خلق اللّه الناس كالذر من صلب آدم، و اشهدهم على توحيده، و هذا جائز أن يكون جعل لأمثال الذرّ فهما تعقل به أمره، كما قال: قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ [النمل: ١٨]... و قال قوم:
معناه أن اللّه جلّ ثناؤه، أخرج بني آدم بعضهم من ظهور بعض.
[٥] أمالي المرتضى، ١: ٢٨، و ينظر تنزيه القرآن عن المطاعن، للقاضي عبد الجبّار: ١٤.