نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٥ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
الاختبار، يقال: فتنت الذهب في النار: إذا أدخلته إليها لتعلم جودته من رداءته.
و قال تعالى: وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [١] .
و نجد المرتضى-و في أحيان كثيرة-يزاوج بين الشاهد القرآني و الشاهد الشعري، أو بين الشاهد القرآني و دليل العقل، أو يجمع بين كلّ هذه القرائن لغرض توكيد المعنى الّذي يذهب إليه، فهو حين يقف عند قوله تعالى: وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنََّاسَ أُمَّةً وََاحِدَةً وَ لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) `إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ [٢] ، يرى أن ظاهر الآية يشعر أنه تعالى ما شاء أن يكونوا أمّة واحدة و أن يجتمعوا على الإيمان و الهدى، لأن الكناية عن «الرحمة» لا تكون بلفظة «ذلك» ، و لو أرادها لقال: و لتلك خلقهم [٣] ، و هذا بخلاف ما يذهب إليه المرتضى الّذي يقول بالعدل و يرفض الجبر، و لذا فهو يرد هذا الكلام بدليل العقل و شهادة اللفظ، فيقول: «فأمّا لفظة ذلك في الآية فحملها على الرحمة أولى من حلمها على الاختلاف؛ لدليل العقل و شهادة اللفظ، فأمّا دليل العقل فمن حيث علمنا أنه تعالى كره الاختلاف، و الذهاب عن الدين، و نهى عنه، و توعد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له... و أمّا شهادة اللفظ فلأن الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف، و حمل اللفظ على أقرب المذكورين إليها أولى في لسان العرب [٤] . و لم يكتف المرتضى بدليل العقل و شهادة اللفظ بل يضيف قرائن قرآنية يفسر فيها القرآن بالقرآن، فيقول: فأمّا ما طعن به السائل، و تعلّق به من تذكير الكناية، و أن الكناية عن الرحمة لا تكون إلاّ مؤنثة فباطل، لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، و إذا كنى عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى، لأن معناها الفضل و الإنعام، كما قالوا سرني كلمتك، يريدون سرني كلامك، و قال اللّه تعالى: هََذََا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [٥] ، و لم يقل «هذه» و إنّما أراد هذا
[١] تأويل مشكل القرآن، ٤٧٢، و ينظر الزاهر، ١: ٥٨٠.
[٢] سورة هود، الآيتان: ١١٨-١١٩.
[٣] ينظر أمالي المرتضى، ١: ٧٠.
[٤] أمالي المرتضى، ١-٧٠: ٧١، و ينظر التبيان في إعراب القرآن، ٢: ٧١٨.
[٥] سورة الكهف، الآية: ٩٨.