نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٣ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
و وقف المرتضى عند قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [١] ، و يجد أن بعضهم يستدلّ بهذه الآية على نسبة الأفعال الّتي تظهر من العباد إليه تعالى، لأنه قال بعد ما تقدم من أفعالهم و معاصيهم: وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فأضافها إلى نفسه [٢] ، و هذا ما يرفضه الشريف المرتضى و يرده بقوله:
«و كيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره من آل فرعون من ذبح الأنبياء و غيره إلى نفسه، و هو قد ذمّهم عليه، و وبخهم!و كيف يكون ذلك من فعله؛ و هو تعالى قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم!» [٣] . و بعد هذا الاحتجاج العقلي يستشهد المرتضى بأدلّة قرآنية لدفع الشبهة و توكيد المعنى الّذي يذهب إليه، فقال: «أصل البلاء في كلام العرب الاختبار و الامتحان، ثمّ يستعمل في الخير و الشرّ، لأنّ الاختبار و الامتحان قد يكون في الخير و الشرّ جميعا، كما قال تعالى: وَ بَلَوْنََاهُمْ بِالْحَسَنََاتِ وَ اَلسَّيِّئََاتِ [٤] ، يعني اختبرناهم، و كما قال تعالى: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً [٥] ، فالخير يسمّى بلاء، و الشرّ يسمّى [٦] و يرجّح المرتضى أن يكون المراد بالبلاء في الآية الإحسان و النعمة، و قوله تعالى: وَ فِي ذََلِكُمْ إشارة إلى ما تقدّم ذكره من تخليصهم من المكروه و العذاب [٧] .
و قد ذكر ابن الجوزي (ت ٥٩٨ هـ) أنّ لفظة (البلاء) في القرآن الكريم جاءت على وجهين: الأوّل: الاختبار، و منه قوله تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلىََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ [٨] ، و الثاني: النعمه و منه قوله تعالى: وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [٩] [١٠] .
و لنا أن نشير إلى أنّ سياق الآيات يرجّح معنى النعمة، لأن ما قبل الآية
[١] سورة البقرة، الآية: ٤٩.
[٢] ينظر أمالي المرتضى، ٢: ١٠٨.
[٣] نفسه، ٢: ١٠٩.
[٤] سورة الأعراف، الآية: ١٦٨.
[٥] سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.
[٦] كذا في الأصل.
[٧] نفسه، ٢: ١٠٨.
[٨] سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
[٩] سورة البقرة، الآية: ٤٩.
[١٠] ينظر نزهة الاعين النواظر: ١٥٦-١٥٧، و تأويل مشكل القرآن: ٤٦٩-٤٧٠.