نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧١ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
فالمرتضى-هنا-يجمع بين القرائن المتّصلة الّتي تحيط بالنص، و القرائن المنفصلة، أي إنّه يفسر النصّ القرآني بآيات أخر، قد تكون متّصلة بها، اما متقدّمة عليها أو متأخّرة عنها، و قد تكون منفصلة عنها، و هي في السورة نفسه، و قد تكون في سورة أخرى، و هذا يعني أنّه يرى للقرآن وحدة معنوية شاملة، و ليس من الضروري أن يكون النصّ الّذي يحتاج إليه السياق المفسّر مجاورا لتلك الآية الّتي تضمّ السياق المفسّر، فالقرآن يشهد بعضه على بعض و يفسر بعضه بعضا، و إن تباعدت سورة و أجزاؤه. و في مثل هذه المواضع يتّضح جهد المفسّر الدلالي أكثر من غيرها، لأنّه حين يرد آية إلى آية ليفسّرها بها، «فأنّما يقوم بعملية ذهنية ذاتية واضحة تتطلب قبل كلّ شيء تتبعا للنصوص القرآن في الذهن...
كما تتطلب مهارة و فهما» [١] .
و يتّضح مثل هذا التفسير الدلالي الموازن عند المرتضى في بيانه لدلالة قوله تعالى: خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيََاتِي فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ [٢] ، فقد ذكر قولا لقطرب، و هو أنّ في الكلام قلبا، و المعنى: خلق العجل من الإنسان، لكنّه رفض هذا الرأي «لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره!و لو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية، فيقول:
سَأُرِيكُمْ آيََاتِي فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ، لأنّه لا ينهاهم عمّا خلقه فيهم» [٣] . و ذكر قولا آخر يرجحه، و هو أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الإنسان بكثرة العجلة، «و أنه شديد الاستعجال لما يؤثّره من الأمور... و لهم في ذلك عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة، كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلاّ من نوم... قالت الخنساء تصف بقرة [٤] :
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت # فإنّما هي إقبال و إدبار
[١] تفسير القرآن بالقرآن: ٢٨٥-٢٨٦.
[٢] سورة الأنبياء، الآية: ٣٧.
[٣] أمالي المرتضى، ١-٤٦٦: ٤٦٨.
[٤] ديوانها: ٥٠، و الرواية فيه:
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت # فإنما هي إقبال و إدبار
غ