نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥ - المقدّمة معيار حجيّة المعارف الدينية من منظار المدرسة البغدادية
إن أغلب الاختلافات مع مدرسة قم هي في المسائل الاعتقادية و قد يكون في الفروع؛ لأنّ أولئك كانوا يتمسّكون في المسائل العقائديّة بالروايات و في بعض الأحيان بخبر الواحد و هذا ما كان يتعارض مع مدرسة بغداد الّتي كانت ترى ضرورة التمسّك بحكم العقل في المباحث الكلاميّة، و قد يرد عليهم إشكال التمسّك بخبر الواحد في بعض الفروع، لكن الاختلاف مع السنّة في كلا المجالين راسخ و قوي؛ لأن الاختلاف معهم كان في المبنى و البناء.
و في هذا السياق سنشير هنا إلى بعض عبارات السيّد المرتضى في علم الفقه و التفسير ليتّضح لنا أوّلا: ثنائية أبعاد المنظومة الفكريّة و الحواريّة للسيّد المرتضى، و ثانيا: لنتعرف بعض الشيء على المنهجية العلميّة لهذا الرجل:
الفقه: «إعلم أن الطريق إلى صحة ما يذهب إليه الشيعة الإمامية في فروع الشريعة فيما أجمعوا عليه هو إجماعهم؛ لأنّه الطريق الموصل إلى العلم، فذلك هو على الحقيقة الدليل على أحكام هذه الحوادث» ... «و ليس يمتنع مع ذلك أن يكون في بعض ما أجمعوا عليه من الأحكام، ظاهر كتاب يتناوله، أو طريقة تقتضي العلم [١] ، مثل أن يكون ما ذهبوا إليه هو الأصل في العقل، فيقع التمسّك به مع فقد الدليل الموجب للانتقال عنه، أو طريقة قسمة، مثل أن تكون الأقوال في هذه الحادثة محصورة، فإذا بطل ما عدا قسما واحدا من الأقسام، ثبت لا محالة ذلك القسم، و كان الدليل على صحّته بطلان ما عداه، فإن اتّفق شيء من ذلك
[١] يمكن التمسّك بهذه العبارة على حجيّة الإجماع المدركي في مدرسة السيّد المرتضى و يكون على هذا-إن كان لمدركه احتمالات غير ما يوجبه الإجماع-مرجحا لأحد الاحتمالات، كما وقع السيّد في مسألة جواز الربا بين الوالد و ولده، فرآه مخالفا للظواهر القرآنية فأوّل ما ورد في ذلك على احتمال آخر فيه ثمّ رجع عنه في الانتصار لإجماع الفرقة على هذا الحكم، على أن عبارة السيّد في مقدّمة الانتصار صريحة في ذلك و سيأتي نقله. و ليعلم أن مدار البحث هنا على ظاهر الكتاب أو ما تقتضي العلم أمّا إذا كان هناك خبر واحد مطابق لما عليه إجماعهم فلا يدلّ على صحّته و كونه حجّة مقطوعا و تقدّم نقل كلامه في هذا المعنى.