نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥١
و المعنى أنّه لو لا حكم اللّه و إذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملّة لم يكونوا ضارّين له هذا الضّرب من الضرر الحاصل عند الفرقة؛ و يقوّي هذا الوجه ما روي أنّه كان من دين سليمان؛ أنّه من سحر بانت امرأته.
فأمّا قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ، ففيه وجوه:
أوّلها: أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا، و يكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبّر عنهم بأنّهم نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون، و اتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، و الذين لم يعلموا هم الذين تعلّموا السحر، و شروا به أنفسهم.
و ثانيها: أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا؛ إلاّ أنهم علموا شيئا و لم يعلموا غيره، فكأنّه تعالى وصفهم بأنّهم عالمون بأنّه لا نصيب لمن اشترى ذلك و رضيه لنفسه على الجملة، و لم يعلمه كنه ما يصير إليه من عقاب اللّه الذي لانفاد له و لا انقطاع.
و ثالثها: أن تكون الفائدة في نفى العلم بعد إثباته أنّهم لم يعملوا بما علموا، فكأنّهم لم يعلموا، و هذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك و أعود عليك؛ لو كنت تعقل و تنظر في العواقب، و هو يعقل و ينظر في العواقب، إلاّ أنه لا يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له مثل هذا القول؛ قال كعب بن زهير يصف ذئبا و غرابا تبعاه؛ ليصيبا من زاده:
إذا حضراني قلت: لو تعلمانه # ألم تعلما أنّي من الزاد مرمل [١]
فنفى عنهما العلم، ثمّ أثبته بقوله: «ألم تعلما» ، و إنّما المعنى في نفيه العلم عنهما أنّهما لم يعملا بما علماه فكأنّهما لم يعلماه.
و رابعها: أن يكون المعنى أنّ هؤلاء القوم الذين قد علموا أنّ الآخرة لا حظّلهم فيها مع عملهم القبيح، إلاّ أنّهم ارتكبوه طمعا في حطام الدنيا و زخرفها
[١] ديوانه: ٥١. المرمل: الذي نفد زاده.