نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٩
صادقين عالمين بأنّهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا-فكأنّه قال لهم: خبّروا بذلك إن علمتموه؛ و متى رجعوا إلى نفوسهم فلم يعلموا، فلا تكليف عليهم.
و هذا بمنزلة أن يقول القائل لغيره: خبّرني بكذا و كذا إن كنت تعلمه، و إن كنت تعلم أنّك صادق فيما تخبر به عنه.
فإن قيل: أليس قد قال المفسّرون في قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ إنّ المراد به: إن كنتم تعلمون بالعلّة التي من أجلها جعلت في الأرض خليفة، أو إن كنتم صادقين في اعتقادهم أنّكم تقومون بما أنصب الخليفة له، و تضطلعون به، و تصلحون له؟.
قلنا: قد قيل كلّ ذلك، و قيل أيضا ما ذكرناه؛ و إذا كان القول محتملا للأمرين جاز أن يبنى الكلام على كلّ واحد منهما؛ و هذا الجواب لا يتمّ لمن يذهب إلى أن اللّه تعالى لا يصحّ أن يأمر العبد بشرط قد علم أنّه لا يحصل، و لا يحسن أن يريد منه الفعل على هذا الوجه؛ و من ذهب إلى جواز ذلك صحّ منه أن يعتمد على هذا الجواب.
فإن قيل: فأيّ فائدة في أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين، و هو عالم بأنّهم لا يتمكّنون من ذلك لفقد علمهم به؟.
قلنا: لمن ذهب إلى الأصل الذي ذكرناه أن يقول: لا يمتنع أن يكون الغرض في ذلك هو أن ينكشف بإقرارهم و امتناعهم من الإخبار بالأسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب، و انفراده بالاطّلاع على وجوه المصالح في الدين.
فإن قيل: فهذا يرجع إلى الجواب الذي تذكرونه من بعد؟
قلنا: هو و إن رجع إلى هذا المعنى فبينهما فرق من حيث كان هذا الجواب على تسليم أنّ الآية تضمّنت الأمر و التكليف الحقيقيين.
و الجواب الثاني: لا نسلّم فيه أنّ القول أمر على الحقيقة، فمن هاهنا افترقا.