نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٨ - فصل معنى خلق الأشياء كلها
و الانس و ما أشبه ذلك و لم يرد أنّه خلق الكفر و الظلم و الكذب، إذ لم يجز أن يكون ظالما و لا كاذبا «عزّ و جل» و قد بيّن اللّه لنا صنعه فقال: صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [١] فلمّا لم يكن الكفر بمتقن و لا بمحكم و لا بحقّ و لا بعدل علمنا أنّه ليس من صنعه؛ لأنّه متفاوت متناقض، و قد قال تعالى: وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً [٢] فأخبر أنّ الاختلاف لا يكون من عنده، و قال تعالى: مََا تَرىََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ [٣] و الكفر متفاوت فاسد متناقض، فثبت أنّه ليس من خلقه و أنّه عمل الكافرين.
فإن قال: فلم زعمتم أنّ قوله: كُلِّ شَيْءٍ* قد خرج منه بعض الاشياء؟ قيل له: قد قال اللّه تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [٤] و لم يخلقها، و الإيمان الذي أمر اللّه به فرعون و الكافرين لم يخلقه، فثبت أنّ الأشياء أطلق في بعض دون بعض، و قد قال اللّه تعالى: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [٥] و لم تؤت من ملك سليمان شيئا، و إنّما أراد ممّا اوتيته هي دون ما لم تؤته.
و قال تعالى: يُجْبىََ إِلَيْهِ ثَمَرََاتُ كُلِّ شَيْءٍ [٦] و قد علمنا أنّه لم تجب إليه ثمرات الشرق و الغرب، و إنّما أراد ممّا يجبى إليه و كذلك قوله تعالى: خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [٧] ممّا خلقه تعالى.
و قال تعالى: فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْءٍ [٨] و إنّما أراد ما فتح عليهم.
و قال تعالى: تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [٩] و لم يرد تبيان عدد النجوم و عدد الانس و الجنّ، و إنّما أراد تبيان كلّ شيء ممّا بالخلق إليه حاجة في دينهم.
و قال تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهََا [١٠] و لم يرد أنّها تدمّر هودا و الذين معه، و إنّما أراد تدمّر من أرسلت لتدميره.
[١] سورة النمل، الآية: ٨٨.
[٢] سورة النساء، الآية: ٨٢.
[٣] سورة الملك، الآية: ٣.
[٤] سورة الحج، الآية: ١.
[٥] سورة النمل، الآية: ٢٣.
[٦] سورة القصص، الآية: ٥٧.
[٧] سورة الأنعام، الآية: ١٠٢.
[٨] سورة الأنعام، الآية: ٤٤.
[٩] سورة النحل، الآية: ٨٩.
[١٠] سورة الأحقاف، الآية: ٢٥.