نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٩ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
و ممّا يمكن أن يتعلّقوا به: أن القرآن لو كان مأخوذا من نبيّ خصّه اللّه تعالى به لم يخل حاله من وجهين: إما أن يكون قد أدى الرسالة، و ظهر أمره و انتشر خبره أو لم يؤدّها، و في الوجه الأوّل استحالة أن يخفى خبره و ينطوي حال من قتله و غلبه على كتابه، لا سيّما مع البحث الشديد و التنفير الطويل، و إن كان على الوجه الثاني وجب على اللّه تعالى أن يمنع من قتله و إلاّ انتقض الغرض في بعثته.
و الجواب عن ذلك: أنه غير ممتنع أن يكون ذلك النبيّ مبعوثا إلى الّذي قتله و أخذ الكتاب من يده، فليس بمنكر بعثة نبي إلى واحد، و نفرض أيضا أنه أوقع به القتل بعد أداء الرسالة حتّى لا يوجبوا على اللّه تعالى المنع من قتله.
فأمّا جواب أهل الصرفة عن هذا السؤال فواضح لا إشكال فيه؛ لأنا قد بينا أن سبب تعذر المعارضة على العرب هو سلبهم في الحال العلوم بالفصاحة الّتي يتمكنون بها من المعارضة، فلو كان مظهر القرآن غير مصدّق بهذا الكتاب و هو ناقل له عن نبيّ صدّق به-كما تضمنه السؤال-لم يحسن صرف من رام المعارضة؛ لأن ذلك غاية التصديق و الشهادة بنبوّته؛ لأنه ما ادعى صلى اللّه عليه و آله و سلم علما له على نبوّته سوى الصرف عن معارضته، فإذا وقع ذلك كان مطابقا لدعواه و تصديقا لها.
و قد كنا ذكرنا في كتابنا الموضح عن إعجاز القرآن جوابا سديدا عن هذا السؤال يمكن أن نجيب من ذهب فى القرآن إلى خرق العادة بفصاحته، و ان كنّا ما قرأناه لهم في كتاب، و لا سمعناه في مناظرة و لا مذاكرة، و إنّما أخرجناه فكرة، و هو أن القرآن عند التأمّل له يدلّ على أن نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم هو المختصّ به و المظهر على يده دون غيره. ممّا تضمنه القرآن ممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى في قصّة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجََادِلُكَ فِي زَوْجِهََا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَسْمَعُ تَحََاوُرَكُمََا إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) `اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسََائِهِمْ إلى قوله تعالى:
وَ لِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ أَلِيمٌ [١] ، و جاءت الرواية المستفيضة بأن جملة زوجة أوس
[١] سورة المجادلة، الآيات: ١-٤.