نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٧ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
و توجب أن يواقفوا عليه فيما يختصّ بالفصاحة، و ما يجوز فيها من التقدّم و التأخّر و جهات التفاضل، و ما أشبه ذلك ممّا المرجع فيه إليهم و المعول عليهم، فأمّا في الشبهات الّتي لا يخطر مثلها ببالهم و لا يهتدون إلى البحث عنها فلا معنى للحوالة عليهم بها.
و يقال لمن تعلّق بهذه الطريقة: خبرنا لو واقفت العرب على ذلك و ادّعت في القرآن أنه من فعل الجنّ، أكان ذلك دالاّ على أنه من فعل الجنّ على الحقيقة؟فإن قال نعم، قيل له كيف، و كيف يدلّ على ذلك، و أيّ تأثير لدعواهم في تحقيق هذا الأمر؟و ان قال: لا يدلّ، قيل له: كيف لم تدلّ المواقفة على أنه من فعلهم، و دلّ تركها على أنه ليس من فعلهم، و أيّ تأثير للترك ليس هو للفعل؟
على أنهم إذا جعلوا تلك المواقفة دليلا على أمان العرب من أن يكون القرآن من فعل الجنّ، فإنّا نقول لهم: ما الّذي أمنت العرب من أن يكون القرآن من فعل الجنّ، حتّى أمسكت لأجله عن المواقفة؟أشيروا إليه بعينه حتّى نعلمه، و تكون الحجّة به قائمة إن كان صحيحا؛ فإنّ هذا ممّا لا يحسن الحوالة به على العرب، و حال المتكلّمين فيه أقوى و هم إليه أهدى.
فإن قيل: بينوا الآن كيف لا يلزم سؤال الجنّ من قال بالصرفة؟
قلنا: إذا كان الصحيح في جهة إعجاز القرآن أن اللّه تعالى سلب كلّ من رام المعارضة العلوم الّتي بها يتمكّن منها، و علمنا أنّ أحدا من المحدثين لا يقدر أن يفعل في قلب غيره شيئا من العلوم و لا من أضدادها، فلا فرق في هذا التعذّر بين ملك و جنّي و بشر؛ لأن وجه التعذّر هو أننا قادرون بقدر، فكلّ من شاركنا في القدر فلا بدّ من أن يتعذّر عليه ذلك، و هذا يقتضي أن الصرف لا يقدر عليه إلاّ اللّه تعالى، و لا يدخل في مقدور أحد من المحدثين، فسؤال الجنّ ساقط عمّن قال بالصرفة و متوجّه إلى مخالفهم.
و أمّا السؤال الثاني الّذي وعدنا بذكره، و قلنا: إنه لازم لمن لم يقل بالصرفة و غير لازم لمن ذهب إليها، فهو أن يقال: إذا سلّم لكم تعذّر معاوضة القرآن على