نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٧ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
و ممّا يبيّن أن التحدّي وقع بالنظم مضافا إلى الفصاحة: أنا قد بيّنا مقارنة كثير من القرآن لافصح كلام العرب في الفصاحة، و لهذا خفي الفرق علينا من ذلك، و ان كان غير خاف علينا الفرق فيما ليس بينهما هذا التفاوت الشديد، فلولا أن النظم معتبر لعارضوا بفصيح شعرهم و بليغ كلامهم.
فأمّا الّذي يدلّ على أنهم لولا الصرف لعارضوا: أنا قد بيّنا في فصاحة كلامهم ما فيه كفاية، و النظم لا يصحّ فيه التزايد و التفاضل، و لهذا يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما فيه على صاحبه، و ان زادت فصاحته على فصاحة صاحبه.
و إذا لم يدخل في النظم تفاضل فلم يبق إلاّ أن يكون الفضل في السبق إليه، و هذا يقتضي أن يكون السابق ابتدأ إلى نظم الشعر قد أتى بمعجز، و أن يكون كلّ من سبق إلى عروض من أعاريضه و وزن [١] من أوزانه كذلك. و معلوم خلافه.
و ليس يجوز أن يتعذّر نظم مخصوص بمجرى العادة على من يتمكّن من نظوم غيره، و لا يحتاج في ذلك إلى زيادة علوم، كما قلناه في الفصاحة؛ و لهذا كان كلّ من يقدر من الشعراء على أن يقول في الوزن الّذي هو الطويل قدر على البسيط و غيره، و لو لم يكن إلاّ على الاحتذاء و ان خلا كلامه من فصاحة. و هذا الكلام قد فرغناه و استوفيناه في كتابنا في جهة إعجاز القرآن.
فإن قيل: هذا المذهب يقتضي أن القرآن ليس بمعجز على الحقيقة، و أن الصرف عن معارضته هو المعجز. و هذا خلاف الإجماع.
قلنا: لا يجوز ادّعاء الإجماع في مسأله فيها خلاف بين العلماء [٢] المتكلّمين، و لفظة «معجز» و إن كان لها معنى معروف في اللغة بالمراد بالمعنى في عرفنا ماله حظّ في دلالة صدق من اختصّ به، و القرآن على مذهب أهل الصرفة بهذه الصفة، فيجوز أن يوصف بأنه معجز.
و إنّما ينكر العامّه و أصحاب الجمل القول بأن القرآن ليس بمعجز إذا أريد به
[١] غير واضح في النسخ.
[٢] في بعض النسخ «من العلماء» .