نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٦ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
بيّنا، فما بالنا نميّز الفصل القليل و لا نميز الكثير، و يرتفع الالتباس علينا مع التفاوت و لا يرتفع مع التفاوت.
و التعلل منهم: بأن الفرق بين القرآن و أفصح كلام العرب إنّما يتجلى لمتقدمي الفحصاء الّذين تحدّوا به، باطل؛ لأنه لو وقف ذلك عليهم مع التفاوت الشديد لوقف عليه ما هو دونه، و قد علمنا خلاف ذلك.
فأمّا من لعلّه ينكر العلم بالفرق بين أشعار الجاهلية و المحدثين، فانا نقول له: ما تنكر أن يخفى من ادعيت أنك لا تعلمه على العوام و من لا دربة له بشيء من الفصاحة، كالأعاجم و غيرهم، و إنّما اعتبرنا بمن يظهر له أحد الآمرين و يخفى عليه الآخر، و بين ما ظهر له الفرق فيه دون ما التبس عليه أمره، و هم كثير.
فإن قيل: بيّنوا كيفية مذهبكم في الصّرفة.
قلنا: الّذي نذهب إليه أن اللّه تعالى صرف العرب عن أن يأتوا من الكلام بما يساوي أو يضاهي القرآن في فصاحته و طريقته و نظمه، بأن سلب كلّ من رام المعارضة العلوم الّتي يتأتي ذلك بها؛ فإنّ العلوم الّتي بها يمكن ذلك ضروريّة من فعله تعالى فينا بمجرى العادة.
و هذه الجملة إنّما ينكشف بأن يدلّ على أن التحدّي وقع بالفصاحة بالطريقة في النظم، و أنهم لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا فاعلين ما دعوا إليه، و أن يدلّ على اختصاص القرآن بطريقة في النظم مخالفة لنظوم كلّ كلامهم، و على أن القوم لو لم يصرفوا لعارضوا.
و الّذي يدلّ على الأوّل: أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أطلق التحدّي و أرسله، فيجب أن يكون إنّما اطلق تعويلا على عادة القوم في تحدّي بعضهم بعضا، فإنّها جرت باعتبار الفصاحة و طريقة النظم، و لهذا ما كان يتحدّي الخطيب الشاعر و لا الشاعر الخطيب، و أنهم ما كانوا يرتضون في معارضة الشعر بمثله إلاّ بالمساواة في عروضه و قافيته و حركة قافيته، و لو شكّ القوم في مراده بالتحدّي لاستفهموه، و ما رأيناهم فعلوا؛ لأنهم فهموا أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم جرى فيه على عاداتهم.