نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٣ - فصل في الدلالة على وقوع التحدّي بالقرآن
فصل في الدلالة على وقوع التحدّي بالقرآن
اعلم أنه إذا فهم معنى قولنا أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم تحدّي بالقرآن، زال الخلاف من العقلاء فيه؛ لأنا لا نريد بالتحدّي أكثر من أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يدعي انّه تعالى خصّه بالقرآن و أبانه به، و أن جبرئيل عليه السّلام يهبط به، و ما في ذلك إلاّ ما هو معلوم ضرورة لا يتمكّن أحد من دفعه. و هذا غاية التحدّي في المعنى، و البعث على إظهار معارضته له فيه إن قدر عليها.
و ممّا يدلّ أيضا عليه في ثبوت التحدّي: أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم بغير شبهة دعا الناس كلّهم إلى نبوّته و العمل بشريعته، و خلع ما كانوا عليه من الأديان، و لا بدّ فيمن ادّعى إلى مثل هذه الحال بل إلى ما هو دونها كثيرا من إظهار أمر يحتجّ به إمّا حجّة أو شبهة، و لو عريت دعواه صلى اللّه عليه و آله و سلم من أمر يحتج به لاسرع القوم إلى مطالبته بما يقتضي تصديقه، و لقالوا له: من أين نعلم أنك صادق في الرسالة و لم تدّع برهانا و لا علما، لا سيّما مع شدّة عداوتهم و عزّة نفوسهم و ثقل و طأته عليهم، فإذا لم يكن منهم شيء من ذلك دلّ على أنه يحتجّ بالقرآن مضيف الابانة إليه.
و لو لم يكن محتجا بشيء كيف استجاب له من استجاب من الفصحاء و الفضلاء، و ما جرت العادة أن يستجيب مثل هؤلاء إلاّ بحجّة أو شبهة، و في تصديقهم دعوته بلا حجّة و لا شبهة خرق للعادة، كما أن في إمساك أعدائه عن مطالبته بحجّة فيما ادّعاه من النبوّة خرق للعادة.
و إذا ثبت بما ذكرناه أنه لا بدّ من تعلّقه فيما ادعاه من النبوّة بأمر يدعي الابانة به و التميز، فلا يمكن أن يشار إليه في ذلك إلاّ و حال القرآن أظهر منه و أوضح.
على أنه لا شيء من معجزاته صلى اللّه عليه و آله و سلم سوى القرآن إلاّ و قد تقدّمه ادعاؤه للنبوّة، و إلزام الخلق الدخول تحت شرائعه، فلا يجوز أن يكون ما تأخّر عن الدعوى هذا التأخّر هو الحجّة فيها، و القرآن يتقدّم ذلك كلّه.
و من المعتمد في وقوع التحدّي أن القرآن قد ثبت صحّة نقله، و العلم بأن