نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٢ - سورة البقرة
أوّلها: أن يريد أنّكم تعلمون أنّ الأنداد التي هي الأصنام و ما جرى مجراها التي تعبدونها من دون اللّه تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التي عدّدها و لا بأمثالها، و أنّها لا تضرّ و لا تنفع، و لا تسمع و لا تبصر؛ و معلوم أنّ المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون و لا يعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء و الأرض من دون اللّه و لا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنّما هو لتأكيد الحجّة عليهم. و يصحّ لزومها لهم؛ لأنّهم من العلم بما ذكرناه و يكونون أضيق عذرا.
و الوجه الثاني: أن يكون المراد بقوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعقلون و تميّزون، و تعلمون ما تقولون و تفعلون، و تأتون و تذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، و لزمته الحجّة، و ضاق عذره في التخلّف عن النظر و إصابة الحقّ.
و نظير ذلك قوله تعالى: إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ [١] ، و إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [٢] .
و الوجه الثالث: ما قاله بعض المفسّرين كمجاهد و غيره أنّ المراد بذلك أهل الكتابين التوارة و الإنجيل خاصة. و معنى وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي أنّكم تعلمون أنّه إله واحد في التوراة و الإنجيل.
فعلى الوجهين الأولين لا تنافي بين هذه الآية و بين قوله تعالى: قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ؛ لأنّ علمهم تعلّق بشيء، و جهلهم تعلّق بغيره. و على الوجه الثالث إذا جعل الآية التي سئلنا عنها مختصّة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التي وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء؛ ممّن لم يكن ذا كتاب يجد فيه بيان التوحيد؛ و كلّ هذا واضح بحمد اللّه [٣] .
- وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلىََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ [البقرة: ٢٣].
[١] سورة الزمر، الآية: ٩.
[٢] سورة فاطر، الآية: ٢٨.
[٣] الأمالي، ٢: ١٦٣.