نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٣٣ - التاسع فصل في إثبات التعبّد بخبر الواحد أو نفي ذلك
أنّهم لا يعلمون ذلك بل و لا يظنّونه، فإن كذّبتموهم فعلتم ما لا يحسن، و كلّموكم بمثله. و الفرق بين الرجوع إلى القرآن و التواتر و بين خبر الواحد واضح؛ لأنّ ذلك لمّا كان معلوما ضرورة لم يخالف فيه عاقل، و الخلاف فيما ادّعوه ثابت، و كذلك القول في رجوع العاميّ إلى الفتوى، و كذلك القول في سخاء حاتم و شجاعة عمرو، و لأنّ من خالف في ذلك كلّه لا يناظر و يقع على بهته و مكابرته، و ليست هذه صفة من خالف في أخبار الآحاد.
و بعد، فإذا كنتم تعلمون على الجملة أنّ القوم عملوا على أخبار الآحاد، فلا فائدة في ذكر هذه الأخبار المعيّنة و تدوينها في الكتب؛ لأنّها تقتضي الظنّ على أجلّ أحوالها، و أيّ تأثير للظّنّ مع العلم الضروريّ؟!و قولهم: «ليطابق التفصيل الجملة» كلام لا محصول له؛ لأنّ التفصيل الّذي جاءت به هذه الأخبار غير معلوم، و الجملة هي الّتي يدّعون العلم بها، فلا تطابق بين معلومين.
ثمّ يقال لهم: كما احترزتم لأبي عليّ في عبارتكم عمّا يتعلّق به في العلم الضروريّ، و قلتم: نعلم ضرورة أنّهم عملوا على ما لا ينتهي إلى التواتر من الأخبار، ألاّ احترزتم للنّظّام و من وافقه ممّن نفى العمل بأخبار الآحاد كلّها ممّا لا يحصل عنده علم و يقين؟!فليس النّظّام و من وافقه بدون أبي عليّ و أصحابه. و من العجب قولهم: إنّهم إنّما عملوا على العمل بأخبار الآحاد لنصّ من الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم قاطع على ذلك، و إنّما لا يوجد هذا النصّ المعيّن في النقل؛ لأنّ الإجماع قد أغنى عن نقله، و هذا فاسد؛ لأنّ قيام حجّة و دلالة لا يغني عن أخرى، و لو كان الرّسول عليه السّلام قد نصّ لهم على وجوب العمل بخبر الواحد نصّا معيّنا مفصّلا، لوجب كون نقل هذا النصّ و التواتر به مستمرّا و أن ينعقد الإجماع على مضمونه؛ لأنّ الحجج قد تترادف، و تتضاعف. و بعد؛ فقد بيّنّا أنّه لا إجماع على ما ذكروه، فيغني عن التواتر بالنّصّ عليه.
و أمّا الوجه الثّاني في الكلام على هذه الطريقة-إذا سلّمنا صحّة كلّ شيء رووه من هذه الأخبار المعيّنة، و لم نقدح فيها، و لا طالبنا بدلالة على صحّتها- فهو أن نقول: المعلوم أنّهم عملوا عند هذه الأخبار، و العمل عندها يحتمل أن