نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٠٨ - الرابع فصل في صفة العلم الواقع عند الاخبار
الإخبار عن معجزات النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم الخارجة عن القرآن، و ما ترويه الإماميّة من النصّ الصريح على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام.
فأمّا القسم الأوّل: فذهب قوم إلى أنّ العلم الواقع عنده ضروريّ من فعل اللّه تعالى بالعادة، و هو مذهب أبي عليّ و أبي هاشم و من تبعهما من المتكلّمين و الفقهاء. و ذهب قوم آخرون إلى أنّ العلم بذلك مكتسب ليس بضروريّ، و هو مذهب أبي القاسم البلخيّ و من وافقه.
و الّذي نصرته-و هو الأقوى في نفسي-في كتاب الذّخيرة [١] و الكتاب الشافي [٢] التوقّف عن القطع على صفة هذا العلم بأنّه ضروريّ أو مكتسب، و تجويز كونه على كلّ واحد من الوجهين.
و إنّما قوى ذلك في نفوسنا؛ لأنّ العالم بهذه الأخبار يمكن أن يكون قد تقدّم له العلم على الجملة بصفة الجماعة الّتي قضت العادة بأنّه لا يجوز أن يتّفق منها الكذب، و لا أن تتواطأ عليه. و جائز أن يكون قد عرف ذلك و تصوّره، فلمّا أخبره عن البلدان و الأمصار من وجده على تلك الصفة الممهّدة في نفسه، فعل اعتقادا بصدق هذه الأخبار، و كان ذلك الاعتقاد علما، لمطابقته للجملة المتقدّمة الممهّدة في نفسه، و يكون هذا العلم كسبا له-لا محالة-غير ضروريّ.
و ليس لأحد أن يقول: انّ إدخال التفصيل في الجملة إنّما يكون فيما له أصل ضروريّ على سبيل الجملة، كمن علم أنّ من شأن الظّلم أن يكون قبيحا على سبيل الجملة، فإذا علم في ضرر بعينه أنّه ظلم فعل اعتقادا لقبحه، و كان علما؛ لمطابقته الجملة المتقرّرة، و أنتم جعلتم الجملة مكتسبة، و التّفصيل كذلك.
و ذلك أنّه لا فرق بين أن تكون الجملة المتقرّرة معلومة ضرورة أو اكتسابا في جواز بناء التفصيل عليها؛ لأنّ من علم منّا باكتساب أنّ من صحّ منه الفعل
[١] الذخيرة: ٣٤٥.
[٢] الشافي في الإمامة، ٢: ٦٨.