نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٠ - السادس فصل في أن تعليق الحكم بصفة لا يدلّ على انتفائه بانتفائها
فَلاََ تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ [١] لمّا تناول النّهي عن التّأفيف بلفظه، و كان بأن يتناول سائر المكروه أولى، لم يجز أن يتبعه و يلحقه بأن يقول: «لا تقل لهما أفّ و اضربهما و اشتمهما؛ لأنّه نقض لما تقدّم، فبان أنّ قوله عليه السّلام: «في سائمة الغنم الزّكاة» ليس بتناوله للمعلوفة أولى.
و الّذي يدلّ على أنّ اللفظ لا يدلّ على ما لا يتناوله و لا يكون بالتناول أولى أنّه لو دلّ على ذلك لم ينحصر مدلوله؛ لأنّ ما لا يتناوله اللفظ لا يتناهى، و ليس بعضه بأن يدلّ عليه اللّفظ مع عدم التناول بأولى من بعض.
و ممّا يدلّ أيضا على ما ذكرناه حسن استفهام القائل: «ضربت طوال غلماني و لقيت أشراف جيراني» فيقال: «أضربت القصار من غلمانك أو لم تضربهم؟، و لقيت العامّة من جيرانك أو لم تلقهم؟» ، فلو كان تعليق الحكم بالصفة يقتضي وضعه نفي الحكم عمّا ليس له تلك الصفة كاقتضائه ثبوته لما له تلك الصفة، لكان هذا الاستفهام قبيحا، كما يقبح أن يستفهمه عن حكم ما يتعلّق اللفظ به، فلو كان الأمران مفهومين من اللفظ، لاشتركا في حسن الاستفهام و قبحه.
فإن قيل: إنّما يحسن الاستفهام عن ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب، فأمّا من تكلّم بما ذكرتموه من الذاهبين إلى دليل الخطاب فهو لا يستفهم عن مراده إلاّ على وجه واحد، و هو أن يكون أراد على سبيل المجاز خلاف ما يقضيه دليل الخطاب، فحسن استفهامه لذلك.
قلنا: حسن استفهام كلّ قائل أطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة، سواء علمنا مذهبه في دليل الخطاب أو شككنا فيه، و أهل اللغة يستفهم بعضهم بعضا في مثل هذا الخطاب، و ليس لهم مذهب مخصوص في دليل الخطاب. فأمّا تجويزنا أن يكون المخاطب عدل عن الحقيقة إلى المجاز، و أنّ هذا هو علّة حسن الاستفهام، فباطل؛ لأنّه يقتضي حسن دخول الاستفهام في كلّ كلام؛ لأنّه لا كلام نسمعه إلاّ و نحن نجوز من طريق التقدير أن يكون المخاطب به أراد
[١] سورة الإسراء، الآية: ٢٣.