نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٦٨ - السادس فصل في أن تعليق الحكم بصفة لا يدلّ على انتفائه بانتفائها
و يدلّ أيضا على ذلك أنّ من المعلوم أنّ لا يحسن أن يخبر مخبر بأنّ زيدا طويل إلاّ و هو عالم بطوله، فلو كان قوله: «زيد طويل» كما يقتضي الإخبار عن طول زيد، يقتضي نفي الطول عن كلّ من عداه، لوجب أن لا يحسن منه أن يخبر بأنّ زيدا طويل إلاّ بعد أن يكون عالما بأنّ غيره لا يشاركه في الطول و يجب أن يكون علمه بحال غير المذكور شرطا في حسن الخبر، كما كان علمه بحال المذكور شرطا في حسن الخبر، و معلوم خلاف ذلك.
و أيضا؛ فإنّ ألفاظ النفي مفارقة لألفاظ الإثبات في لغة العرب، و لا يجوز أن يفهم من ألفاظ الإثبات النفي كما لا يفهم من لفظ النفي الإثبات، و قولنا:
«زيد طويل» لفظه لفظ إثبات، فكيف يعقل منه نفي الحكم عن غير المذكور، و ليس هيهنا لفظ نفي.
و يمكن أن يستدلّ بهذه الطريقة خاصة على أنّ تعليق الحكم بصفة لا يدلّ على نفيه عمّا ليست له، من غير حمل الصّفة على الاسم.
و ربما قوّى أيضا ما ذكرناه بأنّ أحدا من العلماء لم يقل في ذكر الأجناس الستّة في خبر الربوا أنّ تعليق الحكم بها يدلّ على نفي الرّبوا عن غيرها؛ لأنّ العلماء بين رجلين: أحدهما: يقول ببقاء غير هذه الأجناس على الإباحة، و الآخر: يقيس عليها غيرها.
فإن تعلّق من سوّى بين الاسم و الصفة بأنّ جماعة من أهل العلم استدلّوا على أنّ غير الماء لا يطهّر كالماء بقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً طَهُوراً [١] ، فنفوا الحكم عن غير الماء و هو معلّق بالاسم لا بالصفة.
فالجواب: أنّ من فعل ذلك فقد أخطأ في اللغة، و قد حكينا أنّ في النّاس من يسوّى مخطئا بين الاسم و الصّفة في تعلّق الحكم بكلّ واحد منهما.
و يمكن أن يكون من استدلّ بهذه الآية إنّما عوّل على أن الاسم فيها يجري مجرى الصفة؛ لأنّ مطلق اسم الماء يخالف مضافة، فأجراه مجرى كون الإبل سائمة و عاملة.
[١] سورة الفرقان، الآية: ٤٨.