نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٦٧ - السادس فصل في أن تعليق الحكم بصفة لا يدلّ على انتفائه بانتفائها
سائمة الغنم الزكاة» . قال: و قد يقتضي ذلك أنّ حكم ما عداه مثل حكمه، نحو قوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً [١] و قوله تعالى: فَلاََ تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ [٢] و قوله تعالى: فَلاََ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [٣] . و هذا تصريح منه بالمذهب الصحيح، و أنّ القول-إذا تجرّد-لم يقتض نفيا و لا إثباتا فيما عدا المذكور، و أنّ بالقرائن تارة يعلم النفي، و أخرى الإثبات. و قد أضاف ابن شريح قوله هذا إلى الشافعي، و تأوّل كلامه المقتضى بخلاف ذلك و بناه عليه. و ذهب أكثر أصحاب الشافعيّ و جمهورهم إلى أن تعليق الحكم بصفة دالّ بمجرّده على نفي الحكم عمّا ليس له تلك الصفة، و فيهم من ذهب إلى أنّ الاسم في هذا الباب كالصفة، و فيهم من فرّق بين الاسم و الصّفة.
و الّذي يدلّ على صحّة ما اخترناه أنّه قد ثبت أنّ تعليق الحكم بالاسم اللقب لا يدلّ على أنّ ما عداه بخلافه، و ثبت أنّ الصفة كالاسم في الإبانة و التمييز، و إذ ثبت هذان الأمران صحّ مذهبنا.
و الّذي يدلّ على الأوّل أنّ تعليق الحكم بالاسم لو دلّ على أنّ ما عداه بخلافه لوجب أن يكون قول القائل: «زيد قائم» و «عمرو طويل» و «السكّر حلو» مجازا، معدولا به عن الحقيقة، فإنّه قد يشارك زيدا و عمروا في القيام و الطّول غيرهما، و يشارك السكر في الحلاوة غيره. و يجب أيضا أن لا يمكن أن نتكلّم بهذه الألفاظ على سبيل الحقيقة، و معلوم ضرورة خلاف ذلك من مذهب أهل اللّغة و أنّ هذه الألفاظ حقيقة، و ممّا لا يجب كونها مجازا. و يلزم على هذا المذهب أن يكون أكثر الكلام مجازا؛ لأن الإنسان إذا أضاف إلى نفسه فعلا من قيام، و أكل، و ضرب، و ما جرى مجرى ذلك، ليس يضيف إليها إلاّ ما له فيه مشارك، و الإضافة إليه يقتضي ظاهرها على مذهب من قال بدليل الخطاب نفي ذلك الأمر عمّن عداه، فلا تكون هذه الأوصاف في موضع من المواضع إلاّ مجازا، و هذا يقتضي أنّ الكلام كلّه مجاز.
[١] سورة المائدة، الآية: ٩٨.
[٢] سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
[٣] سورة التوبة، الآية: ١٨٧.