نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٣٦ - الثاني فصل في ذكر الدلالة على أنه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصه و اشتراك هذه الألفاظ الّتي يدّعى فيها الاستغراق
ضروب المجازات في كلامهم على الاستدلال، لولا بطلان هذه الدّعوى، و في خروج هذا الموضع عن بابه دلالة على خلاف مذهبكم، و ليس تجد هذا الدّليل مستقصى في شيء من كتبنا السّالفة على هذا اللحدّ، فقد بلغنا غايته.
دليل آخر: و ممّا يدلّ أيضا على صحّة مذهبنا أنّ استفهام المخاطب بهذه الألفاظ عن مراده في خصوص أو عموم يحسن من المخاطب بغير ريب و موضوع الاستفهام إذا وقع طلبا للعلم و الفهم يقتضي احتمال اللّفظ و اشتراكه بدلالة أنّه لا يحسن دخوله فيما لا احتمال فيه و لا اشتراك ألا ترى أنّه لا يحسن أن يستفهم عن مراده من قال: ركبت فرسا، و لبست ثوبا، لاختصاص اللّفظ و فقد احتماله، و يحسن أن يستفهم من قال: رأيت عينا، عن أيّ عين رأى؟ و هذا الجملة تقتضي اشتراك هذه الألفاظ بين الخصوص و العموم.
و من خالف في حسن الاستفهام بحيث ذكرناه، لا يخلو من أن يكون قائلا بحسن الاستفهام في موضع من الكلام، أو ليس يحسن أصلا، فإن ذهب إلى الأوّل؛ قيل له: بيّن لنا حسن الاستفهام أين شئت من الكلام، حتّى نسوّي بينه و بين حسنه في الخصوص و العموم، و إن أراد الثّاني، كان مكابرا دافعا للضّرورة، فكيف يقال ذلك، و قد جعل أهل اللغة الاستفهام ضربا مفردا من ضروب الكلام، و خصّوه بحروف ليست لغيره.
فإن قيل: وجه حسن الاستفهام في ألفاظ العموم تجويز المخاطب أن يريد مخاطبه الخصوص على وجه المجاز.
قلنا: هذا يقتضي حسن الاستفهام في كلّ خطاب، عن كلّ حقيقة؛ لأنّ هذه العلّة موجودة، و قد علمنا اختصاص حسن الاستفهام بموضع دون غيره، فعلمنا أنّ علّته خاصّة غير عامّة.
و بعد، فإنّ المخاطب إذا كان حكيما، و خاطب بالمجاز، فلا بدّ من أن يدلّ من يخاطبه على أنّه عادل عن الحقيقة، و هذان الوجهان يسقطان قولهم: انّ وجه حسن الاستفهام أن السّامع يجوّز أن يكون مخاطبه أراد المجاز، و دلّ عليه بدلالة خفيت على السامع.