نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٣٥ - الثاني فصل في ذكر الدلالة على أنه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصه و اشتراك هذه الألفاظ الّتي يدّعى فيها الاستغراق
الخلاف؛ لأنّا نقول: إن كانت القرينة هي العلم الضروريّ بتوقيف أهل اللسان على ذلك، كما علمناه في حمار و أسد، فكان يجب ألاّ يقع خلاف في ذلك مع العلم الضروريّ، كما لم يقع خلاف في أسد و حمار، و ان كانت القرينة مستخرجة بدليل و تأمّل، و قد نظرنا فما عثرنا على ذلك، و من ادّعى طريقا إلى إثبات هذه القرينة فواجب عليه أن يشير إليه، ليكون الكلام فيه، و خصمنا لا يمكنه أن يدلّ على أنّ استعمال هذه اللفظة في الخصوص لا بدّ فيه من قرينة إلاّ بأن يصحّ مذهبه في أنّ ذلك مجاز و عدول عن الحقيقة، و هذا هو نفس المذهب.
و ممّا يقال لهم: كيف وجب في كلّ شيء تجوّز أهل اللغة به من الألفاظ، و استعملوه في غير ما وضع له، كالتشبيه الذي ذكرناه في حمار و بليد، و كالحذف في قوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ [١] و وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [٢] ، و الزّيادة في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [٣] ، و نظائر ذلك و أمثاله، و ما يتفرّع إليه و يتشعّب، أن يعلم أنّهم بذلك متجوّزون، و قارنون إلى اللّفظ ما يدلّ على المراد ضرورة بغير إشكال، و لا حاجة إلى نظر و استدلال، و لم يجب مثل ذلك في استعمال صيغة العموم في الخصوص، و هو ضرب من ضروب المجاز عندكم؟فألاّ لحق بهذا الباب كلّه في حصول العلم؟.
و يمكن أن يترتّب استدلالنا على هذه العبارة، فنقول: قد ثبت بلا شكّ استعمال هذه اللفظة في العموم و الخصوص، و ما وقّفنا أهل اللغة و لا علمنا ضرورة من حالهم مع المداخلة لهم أنّهم متجوّزون بها في الخصوص، كما علمنا منهم ذلك في صنوف المجازات على اختلافها، فوجب أن تكون مشتركة.
فإن قيل لنا: فلعلّ كونهم متجوّزين بها في الخصوص يعلم بالاستدلال، دون الضّرورة، فلم قصرتم هذا العلم على الضّرورة.
قلنا: كيف وقف هذا الباب من المجاز على الاستدلال و لم يقف غيره من
[١] سورة الفجر، الآية: ٢٢.
[٢] سورة يوسف، الآية: ٨٢.
[٣] سورة شورى، الآية: ١١.