حاشية فرائد الأصول - تقريرات - اليزدي النجفي، السيد محمد إبراهيم - الصفحة ٢٣٧ - دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة من جهة عدم الدليل
الثالث: التفصيل بين ما لو كان بانيا عند اختياره لأحد الاحتمالين على الاستمرار على مختاره فيستمرّ حكم التخيير، و بين ما لم يبن على ذلك فلا يجوز العدول عما اختاره، لأنّ المخالفة القطعية التي يلزم على الأول لا يحكم العقل بقبحه و صحة العقاب عليه، إذ هي مخالفة اتفاقية في الأمور التدريجية نظير تبدّل رأي المجتهد من الوجوب إلى الحرمة أو بالعكس، أو عدول المقلّد من مجتهد إلى مجتهد آخر، و هذا بخلاف ما لو لم يبن على الاستمرار المذكور بل بنى على اختيار الفعل تارة و اختيار الترك تارة أخرى فإنّ المخالفة القطعية في هذه الصورة معصية بحكم العقل و العقلاء موجبة للذم يصحّ العقاب عليها فلا يجوّز العقل العدول عما اختاره أوّلا حذرا من لزوم المخالفة القطعية الكذائية.
الرابع: التفصيل بين ما لو بنى من أول الأمر على الاستمرار على التخيير فيستمر حكم التخيير و بين ما إذا لم يبن عليه فلا يجوز العدول، و ذلك لأنّه لو بنى من أول الأمر على اختيار جانب احتمال الوجوب مثلا دائما صار ذلك حكمه، فالعدول عنه إلى اختيار احتمال الحرمة عدول عن حكمه الشرعي لأنّه قد أخذ بحكم جميع الوقائع باختياره الأول، و أما إذا بنى من أول الأمر على الاستمرار على التخيير فعند الواقعة الأولى لو أتى بالفعل رعاية لاحتمال الوجوب مثلا لم يمنع ذلك عن اختيار الترك في الواقعة الثانية لأنّه لم يأخذ عند الواقعة الأولى إلّا حكم تلك الواقعة، و باقي الوقائع بعد على حكم التخيير الأوّلي، هذا كله بالنظر الجلي.
و أما ما يقتضيه النظر الدقيق فالتحقيق أن يقال: إنّ القول بالتخيير إن كان من جهة ما ذكرنا سابقا من أنّ الأخذ بكل من الفعل أو الترك من باب الاحتياط و رعاية العلم الإجمالي بقدر الإمكان فلا ريب في كون التخيير استمراريا، لأنّ اختياره الفعل أو الترك لم يجعله حكما شرعيا له حتى يشكّ في بقائه