حاشية فرائد الأصول - تقريرات - اليزدي النجفي، السيد محمد إبراهيم - الصفحة ١٥٦ - أدلة القول بالاحتياط
لكن الشارع قد رخّص لنا عدم التحرّز عنه كما رخّص بل أمر بالإقدام على المضار المعلومة كتعريض النفس للجهاد و نحوه لمصلحة و حكمة غالبة كالمثوبات الأخروية، ثم ذكر وجها آخر لوجوب دفع الضرر المحتمل شرعا و هو أنّ الضرر المظنون دفعه واجب جزما بحكم العقل فيجب شرعا بقاعدة الملازمة، و لم يفرّق أحد بين الضرر المظنون بالظن غير المعتبر و الضرر المحتمل، فيجب دفع الضرر المحتمل بالاحتياط لعدم القول بالفصل.
و التحقيق أن يقال: إنّ العقل حاكم بوجوب دفع الضرر المحتمل و إن كان دنيويا، لكن حكمه هذا بالوجوب إرشادي لا يترتب على مخالفته سوى الوقوع في ذلك الضرر لو صادفه الاحتمال لا الوجوب الذي يترتب على مخالفته العقاب، و بيان ذلك أنّ حكم العقل على قسمين: قسم يحكم بالوجوب أو الحرمة بحيث يترتب على مخالفته استحقاق الذم و العقاب كحكمه بقبح الظلم و حرمته، و قسم يحكم بالوجوب لكن لا بحيث يترتب على مخالفته شيء سوى الوقوع في الضرر الذي أقدم المكلف عليه كحكمه بوجوب التحرّز عن العقاب الأخروي فإنّه لا يترتب على مخالفته إلّا الوقوع في ذلك العقاب الذي لم يتحرّز عنه و لا يستحق على هذه المخالفة عقابا آخر من جهة هذا الوجوب العقلي و إلّا تسلسل.
فنقول: إنّ حكم العقل بوجوب دفع المضار الدنيوية من قبيل الثاني، فلا يستلزم حكما شرعيا بالوجوب بحيث يكون على مخالفته عقاب أخروي كما هو المطلوب هنا بوجوب الاحتياط كما يدّعيه الأخباري [١].
[١] أقول: الانصاف أنّ العقل يحكم بقبح تعريض النفس للضرر بحيث يلام عليه و يستحق الذم الأكيد و يعدّ عند العقلاء سفيها أو متسفّها، فهو نظير الظلم المتسالم عليه بقبحه و حرمته فليتأمل.