النجاة - ابن سينا - الصفحة ٦٥٨ - فصل فى برهان آخر على اثبات العقل المفارق
الجرم تغير، و من مشاركة الجرم تخيل و توهم.
و قد ساقنا النظر الى اثبات هذه الاحوال، لا نفس الافلاك كما علمت. و اذا كان الامر على هذا، فلا يجوز ان تكون أنفس الافلاك تصدر عنها أفعال فى أجسام أخرى غير أجسامها، إلا بوساطة أجسامها. فان صور الاجسام و كمالاتها على صنفين:
أما صور قوامها بمواد الاجسام [١]. فكما ان قوامها بمواد تلك الاجسام، فكذلك ما يصدر عن قوامها يصدر بوساطة مواد تلك الاجسام. و لهذا السبب فان النار، لا تسخن حرارتها أى شىء اتفق، بل ما كان ملاقيا لجرمها أو من جسمها بحال.
و الشمس لا تضىء كل شىء، بل ما [٢] كان مقابلا لجرمها.
و أما صور قوامها بذاتها، لا بمواد الاجسام كالانفس.
ثم [٣] كل نفس [٤] فانما جعلت خاصة بجسم، بسبب ان فعلها بذلك الجسم و فيه. و لو كانت مفارقة الذات و الفعل جميعا لذلك الجسم، لكانت نفس كل شىء لا نفس ذلك الجسم فقط.
فقد بان على الوجوه كلها: ان القوى السمائية المنطبعة [٥] بأجسامها لا تفعل الا بوساطة جسمها. و محال ان تفعل بوساطة الجسم نفسا، لان الجسم لا يكون متوسطا بين نفس و نفس.
فان كانت تفعل نفسا بغير توسط الجسم؛ فلها انفراد قوام من دون الجسم، و اختصاص بفعل [٦] مفارق لذاتها و ذات الجسم. و هذا غير الامر الذي نحن فى ذكره.
[١] - هج چ: تلك الاجسام
[٢] - ها ط د: لما
[٣] - ب: ثم ان
[٤] - ط: جسم، روى آن: نفس
[٥] - هج چ: المتعلقة باجسامها، ها: المنطبعة فى اجسامها
[٦] - ب ط: بفصل، روى آن: بفعل