جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٤٩ - الأول الماهية
..........
يقطع بخروج بعضهم عنها، فيجب الحكم ببطلان صلاتهم، و أظهر من هذا من يصلّي بعيدا عن محراب النّبي صلّى اللّه عليه و آله بأزيد من مقدار الكعبة، فإنّ خروجه عن محاذاتها مقطوع به.
و قال في الذّكرى: المراد بالجهة: السّمت الّذي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق الجهة، كما قال بعض العامة [١]: إن الجنوب قبلة لأهل الشمال و بالعكس، و المشرق قبلة لأهل المغرب و بالعكس [٢]، و ما ذكره لا يكاد يخرج عن كلام التّذكرة، لأنّ الظّاهر أنّ مراده بالسمت هو ما يسامته المصلّي، و يحاذيه عند توجّهه إليه، و قد عرفت أنّ ظن كون الكعبة فيه غير شرط.
و الّذي ما زال يختلج بخاطري، أنّ جهة الكعبة هي المقدار الّذي شأن البعيد أن يجوّز على كلّ بعض منه أن يكون هو الكعبة، بحيث يقطع بعدم خروجها عن مجموعه، و هذا يختلف سعة و ضيقا باختلاف حال البعد.
فان قلت: يرد عليه المصلّي بعيدا عن محراب المعصوم بأزيد من سعة الكعبة، فإنّه لا يجوز على ذلك السّمت أن تكون فيه الكعبة، لأنّ المحراب يجب أن يكون إلى الكعبة، لاستحالة الغلط على المعصوم. قلت: لما كانت قبلة البعيد هي الجهة تعيّن أن يكون محراب المعصوم إليها، بحيث لا يحتمل الانحراف أصلا و لو قليلا، أمّا كونه محاذيا لعين الكعبة فليس هناك قاطع يدلّ عليه، فيبقى التّجويز المعتبر في تعريف الجهة بحاله.
و اعلم أنّ المصنّف جعل المطلب الأوّل في ماهيّة القبلة، و فسّرها بالكعبة و الجهة، و ليس ذلك هو الماهية، بل ما صدق عليه القبلة، و عذره أنّ المطلوب هنا بيان ما يجب على المصلّي التّوجه إليه، فلو اشتغل ببيان المفهوم فات المطلوب. و أراد بحكم المشاهد من تمكنه المشاهدة بغير مشقة كثيرة.
[١] فتح العزيز «مع المجموع» ٣: ٢٤٢.
[٢] الذكرى: ١٦٢.