سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٥ - الباب الحادي عشر في إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- دحية بن خليفة الكلبي- رضي اللّه تعالى عنه- إلى قيصر
و زمانه، فأسلموا و اتّبعوه، تسلم لكم آخرتكم و دنياكم فنخروا نخرة رجل واحد، و حاصوا حيصة حمير الوحش، و ابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلّقة دونهم فلمّا رأى هرقل نفرتهم يئس من الإيمان و خافهم، قال: ردّوهم عليّ فردّوهم عليه، فقال: يا معشر الرّوم، إنّما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم، و قد رأيت ما يسرّني، فوقعوا له سجّدا و رضوا عنه، فقال الأسقف قاضيه: أشهد أنّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأخذوه فما زالوا يضربونه و يعضّونه حتّى قتلوه،
فقال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عند ذلك: إنه يبعث أمّة وحده،
ثم فتحت لهم أبواب الدّسكرة فخرجوا، فقال دحية: ثم بعث إليّ من الغد سرّا فأدخلني بيتا عظيما فيه ثلاثمائة و ثلاثة و عشرون صورة، فإذا هي صور الأنبياء و المرسلين قال: انظر أين صاحبك من هؤلاء، فرأيت صورة النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كأنّه ينطق، قلت: هذا، قال: صدقت، فقال: صورة من هذا عن يمينه؟، قلت:
رجل من قومه، يقال له أبو بكر، قال: فمن ذا الذي عن يساره؟ قلت: رجل من قومه، يقال له عمر، قال: إنّا نجد في الكتاب أنّ بصاحبيه هذين، يتمّ اللّه هذا الدّين،
فلمّا قدمت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخبرته، فقال: صدق بأبي بكر و عمر، يتمّ اللّه هذا الدين بعدي.
الثانية-
روى أبو يعلى و عبد اللّه ابن الإمام أحمد في زوائد المسند و ابن عساكر عن سعيد ابن أبي راشد قال: لقيت التّنوخي رسول هرقل إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل؟ قال: بلى، قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تبوك، فبعث دحية إلى هرقل، فلمّا جاء كتاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- دعا قسيس الرّوم و بطارقتهم، ثم أغلق عليه و عليهم الدّار، فقال: إنّ هذا الرّجل أرسل يدعوني، و و اللّه لقد قرأتم فيما تقرؤون من الكتب ليأخذنّ ما تحت قدمي، فهلمّ إليّ أن نتَّبعه فنخروا نخرة رجل واحد، فلما ظن أنّهم إن خرجوا من عنده أفسدوا الرّوم، قال:
إنما قلت لأعلم صلابتكم على أمركم بينكم، ثم إنّه دعاني فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرّجل، فما ضيّعت من حديثه فاحفظ لي ثلاث خصال انظر هل تذكر الصحيفة التي كتبت إلي بشيء انظر إذا قرأ كتابي هل يذكر الليل و انظر في ظهره؟ هل به شيء يريبك، فانطلقت بكتابه حتّى جئت تبوك، فناولت كتابي فقال: يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزّقه، و اللّه ممزّقه و ملكه و كتبت إلى النّجاشي بصحيفة فحرّقها، و اللّه محرّقه، و محرق ملكه، و كتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها و لن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش، قلت: هذه إحدى الثلاث الذي أوصاني ثمّ إنّه ناول الصحيفة رجلا عن يساره فقرأها فإذا فيها يدعوني إلى جنّة عرضها السّموات و الأرض، فأين النار؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: أين الليل إذا جاء النّهار؟ ثم قال: فقال: يا أخا تنوخ، فهل حبوته عن ظهره ثم قال: هاهنا امض لما أمرت فجلت في ظهره، فإذا النبوة في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضّخمة، و في رواية فكتبه في جفن (سيفي) فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال: إنّ لك حقّا، و إنّك رسول اللّه فلو