سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٤ - الباب الحادي عشر في إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- دحية بن خليفة الكلبي- رضي اللّه تعالى عنه- إلى قيصر
أحد قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه ملك قلت: لا، قال: فأشراف النّاس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أ يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد منكم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر قلت: لا، و نحن الآن معه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها قال: فما كلّمني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا و بينه سجال ينال منا و ننال منه، قال: ما ذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا اللّه وحده، و لا تشركوا به شيئا، و اتركوا ما كان يعبد آباؤكم، و يأمرنا بالصّلاة و الزّكاة و الصّدق و العفاف، و الصّلة، فقال لترجمانه: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، و كذلك الرسل تبعث في نسب قومها، و سألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل تأسّى بقول قيل قبله، و سألتك: هل من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه، و سألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على النّاس، و يكذب على اللّه، و سألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، و هم أتباع الرّسل، و سألتك: أ يزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنّهم يزيدون، و كذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ، و سألتك:
أ يرتد أحد منكم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، و كذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب، و سألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، و كذلك الرّسل لا يغدرون و سألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنّه يأمركم أن تعبدوا اللّه، و لا تشركوا به شيئا، و ينهاكم عن عبادة الأوثان، و يأمركم بالصلاة و الزكاة و الصّدق و العفاف و الصلة، فإن كان ما تقول حقّا، فسيملك موضع قدميّ هاتين، و قد كنت أعلم أنه خارج، و لم أكن أظنّه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، و لو كنت عنده لغسلت قدميه، ثم قال: الحق بشأنك، قال: فقمت أضرب بإحدى يديّ على الأخرى و أقول: يا عباد اللّه، لقد أمر أمرا ابن أبي كبشة أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم، فما زلت موقنا أنه سيظهر ثم أخذ كتاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فوضعه فوق رأسه ثم قبّله و طواه في الدّيباج، و الحرير، و جعله في سقط صاحب له بروميّة، و كان نظيره في العلم، و سار هرقل إلى حمص و لم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل بخروج النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أنه النّبيّ الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه، فأمر بعظماء الروم، فجمعوا له في دسكرة ملكه، ثم أمر بها فأغلقت عليهم، ثم اطلع عليهم من علية له، و هو منهم خائف فقال: يا معشر الروم، إنّه جاءني كتاب أحمد و إنه و اللّه النبي الذي ينتظر لا شك فيه الذي بشّر به عيسى، و إنّه و اللّه النبيّ الذي ننتظره و نجد ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته