سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٣ - الباب الحادي عشر في إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- دحية بن خليفة الكلبي- رضي اللّه تعالى عنه- إلى قيصر
فقال: هو رجل من قريش يخرج، يزعم أنّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، و قد اتبعه أقوام و خالفه آخرون، و قد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي و هم على ذلك فلمّا أخبره الخبر، قال: جرّدوه هو مختون، فقال: هذا و اللّه الذي رأيت أعطوه ثوبه، انطلق لشأنك،
و في رواية: «إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعث دحية إلى قيصر صاحب الرّوم بكتاب، فاستأذن، فقال: استأذنوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأتى قيصر فقيل: إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول اللّه ففزعوا لذلك، و قال: أدخلوه، فأدخل عليه و عنده بطارقته، فأعطاه الكتاب و قرأ عليه، فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى هرقل عظيم الروم، و في رواية «صاحب الرّوم و عنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الشعر فقال: لا تقرأ الكتاب، لأنّه بدأ بنفسه، و كتب (صاحب الروم» و لم يكتب «ملك الرّوم».
فقال: إن يكن بدأ بنفسه فهو الذي كتب إليّ.
و إن كان سمّاني صاحب الرّوم، فأنا صاحب الرّوم ليس لهم صاحب غيري، فجعل يقرأ الكتاب و هو يعرق جبينه من كرب الكتاب «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله و رسوله إلى هرقل عظيم الروم» سلام على من اتّبع الهدى: أما بعد فإن أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإن عليك إثم الأريسيين و في رواية «الأكارين» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
» فلما قرئ الكتاب قال قيصر: هذا كتاب لم أسمع بمثله بعد سليمان بن داود، ثم أمرهم فخرجوا من عنده فبعث إلى الأسقف، فدخلت عليه فسألني فأخبرته و كان صاحب أمرهم، يصدرون عن قوله و رأيه، فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: هو و اللّه الّذي لا إله إلا هو الذي بشرنا به عيسى ابن مريم، و موسى، و الذي ننتظره، فقال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأسقف: أمّا أنا فمصدّقه و متّبعه، فقال قيصر لصاحب شرطته: قلت لي الشام ظهر البطن حتى يؤتي برجل من قدم هذا فأسأله عن شأنه، قال أبو سفيان: فو اللّه، إني و أصحابي كبعرة إذ هجم علينا، فسأل ممّن أنتم؟
فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا، و كان أبو سفيان و كفار قريش فأتوهم و هم بإيليا فدعاهم في مجلسه و حوله عظماء الروم، ثم دعاهم، و دعا بترجمانه، فقال: أيّكم أقرب نسبا لهذا الرّجل؟
الذي يزعم- أنّه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال: ادنوه مني، و قرّبوا أصحابه، فاجعلوهم خلف ظهره ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذّبوه، قال أبو سفيان: فو اللّه، لو لا أن يؤثر عنّي الكذب لكذبت عليه ثم كان أوّل ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم